الأحد 17 كانون1

أنت هنا: الصفحة الرئيسية قصة ودراسات ادبية قصة قصيرة ذكريات عابرة ـ قصة : جمال البكاي

قصة قصيرة

ذكريات عابرة ـ قصة : جمال البكاي

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

anfasse20114
هكذا قُطِعَ حَبْلِي السُرِّي بعد أشهر احتجاجات قضيتها وأنا أرفس أحشاء والدتي كي تعجل بي لهذا الوجود ، وكي أُبرهن للجمع بأني ولدت على قيد الحياة كان لزاما علي أن أطلق صرختي الأولى معلنا البداية ، في دروب الدوار نهلت أولى دروس الحياة ، وهناك أسقطت أوَّلَ سِن الحمار ورميته اتجاه الشمس طالبا منها أن تبدلني إياه بسن الغزال ، فعلت ذاك دون توقف وفي النهاية حصلت على أسنان مبعثرة  في كل الاتجاهات لأعلن كفري بتلك التعويذة بعد فوات الأوان ، في الدوار استنشقت أولى نسمات الكيف المدرَّح الذي كان ينفثه على وجهي شخص مْبْلي  يقصدنه جل النساء حاملات أطفالهن في طابور طلبا للعلاج ، رغم كوني على علم  بأن بخاخ الكيف قد قتل جل خلايا دماغي في سن الصبا إلا أني مدين له بتركي على قيد الحياة ، فليرقد جسدك يا حكيم القرية في أمان و ليرحمك الإله .

 ليس هذا فقط ففي الدوار كنا نُعَالجُ من لسعات السُّعال الذي ينخر أقفاصنا الصدرية عند الشجرة المباركة ، نستحم هناك عرايا بماء قارص يبيت تحتها في عز أيام الصقيع ، بهذه البساطة كنا نقاوم الأسقام ، لطالما قبَّلتُ جدع تلك الشجرة و أنا موقن بكونها مصدر طاقة خفية تمدني بالحياة  قبل أن أستيقظ في أحد الصباحيات الأليمة على جثة متدلية من أحد فروعها لشاب قرر أن يضع نهايته هناك ، تأملت طويلا جسده الفارغ من الروح وهو يتراقص مع نسمات عليل الصباح الباردة ، وبعد أن وري جسده الثرى تمردت  على العادات و أعلنت كفري ببركة تلك الشجرة الملعونة ، هكذا تركتها و بدأت أعالج نفسي من الزكام بسيجارة  فليو الممزوجة بروث المواشي و الحمير ..و أنا أستنشق تلك اللفافة خِفْيَة كنت أتنافس مع رفاق الصبا على من يستطيع إخراج الدخان من انفه ببراعة ، أفعل ذلك وأنا أمسح دموع دخان تبغ الحمار الذي أفني ما تبقى من خلايا تركها في كياني بخاخ الكيف ، كم أنت مقاوم يا جسدي المغوار .. في الدوار تعلمت كيف أتهجي الكلمات مقاوما عصا الفقيه التي أكسبتني مناعة ضد الهراوة ، فحفظت ما تيسر بعدما صار جلدي خارطة لندوب عاشت معي شهورا طوال قبل أن تندمل ، لا بأس بذلك الآن مادُمت على قيد الحياة ، شكرا جزيلا  لك أيها الفقيه ..
هذا جزء من شريط الذاكرة .. الآن وبعد مرور ربع قرن وزيادة على رؤيتي للنور أعود للدوار بين الفينة و الأخرى كسائح جاء ليوثق جمال الأمكنة الممزوجة بعبق الماضي ، أفعل ذلك و أنا أبتسم للأطفال الذين يرسلون اتجاهي نظرات البراءة ومعها تساؤلات ترى في وجودي مجرد عابر سبيل توقف عند المحطة وسيرحل بعد أول قطار..

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث