الجمعة 23 شباط

أنت هنا: الصفحة الرئيسية قصة ودراسات ادبية

سمة "حقيقة" في "سيرة حمار" لحسن أوريد (*) ـ البشير البقالي

Anfasse22030   «الناس تمر على الأشياء دون أن تلاحظ شيئا، الناس تحسب الحقيقة جامدة، تُلقَّن أو تُحفَظ.. الحقيقة اكتشاف دائم، هي مدى مطابقة فكرة للواقع.. في مساجلات سقراط، يحسب الناس الحقيقة ما سمعوا أو لُقنوا، فإذا أعملوا عقلهم ألفوا أن ما يعتقدون ليس الحقيقة. والمعتقدات هي الأفكار العامة التي يرتبط بها مجتمع، ولكنها ليست بالضرورة الأفكار التي يمكن أن يتقدم بها، بل قد تصبح وزرا تصده عن الحركة. المعتقدات تملكنا، والأفكار ملك لنا. أثقلت عليك أيها الحمار الفضي. هو عيب المهنة.. تفضل.. هنا بهذا الكهف أعيش، ليس به باب، ومزيته الكبرى هو أني أشرف على أليلي.. تبدو المدينة صغيرة من هنا، قضاياها كلها تبدو من هذا الكهف صغيرة...»[1]
*     *     *
     وردت هذه الصورة في سياق محاورات الحكيم للحمار، التي انفتحت على موضوعات عدة، بدون ترتيب أو تنظيم، فجاءت كأنها خواطر عفوية ورؤى تلامس قضايا وجودية  وهموما إنسانية عامة وخاصة. وواضح أن الصورة تتأرجح على عمودين متقاطعين كقطري دائرة، أحدهما يجسد تأرجحا بين التحامل والعتاب من جهة، والتوجيه والتعليم من جهة أخرى، والثاني يجسد تأرجحا آخر بين الحقيقة من جهة، والمعتقدات والزيف من جهة أخرى. فلا يخفى إيقاع التحامل على الناس بسبب أنهم يحسبون الحقيقة جامدة، وهو كلام يحيل على ما عاينه البطل أسنوس في مغامراته ومشاهداته، سواء لدى سكان أليلي الذين ركنوا إلى رواية السلطة حول مقتل أذربال وحول التلويح بمؤامرة وخطر يتربص بالمدينة، أو لدى بني سنوس وبني ييس الذين يعتقدون بالأساطير التي ينسجها أعيانهم ويقدمونها على أنها حقائق قطعية. ولا يخفى كذلك إيقاع التعليم والتوجيه في شرح الحقيقة من خلال قول الحكيم «الحقيقة اكتشاف دائم»، وهي عبارة تعني أن الحقيقة تكتشف بإعمال العقل والموازنة بين الفكر والواقع.
     [1]ثم لا يخفى حجم الهجوم الذي تشنه الصورة على المعتقدات وتلقي بها في زوبعة من الشك والتمزيق، في مقابل إعلاء شأن العقل وتمجيد الأفكار التي هي بنات العقول.

اِقرأ المزيد...

الكُوخ.. (ج 2) – قصة : محمد العيساوي أبوزرة

Anfasse22029"الرسالة الأولى.."
   *  * *
جلست على الكرسي الهزاز.. أحدق في نسخة لوحة "الصرخة" المعلقة إلى جانب صورة تؤرخ لزمن الحرب، (كلاشينكوف وخوذة زيتية)..
 تساءلت مع نفسي: لماذا اختار هذه اللوحة تحديدا –الصرخة-؟ لوهلة رأيتني أنا الذي أصرخ.. وهل حقا هي لوحة تمثل الصرخة!؟ أم تمثل الصدمة؟ لا يمكنني الجزم، لأن اللوحة تظل بكماء مهما جسدت الحال..
ثم أعدت نظري إلى الصندوق الذي بين يدي، الصندوق الذي استخرجته من ذاك الجحر المبوَّب..! صندوق حديدي، يشبه تلك الصناديق التي طالما رأيتها في الأفلام الأمريكية.. قمت بفتحه بحذر، رغم أن الصندوق لم تكن عليه أي علامات للصدأ، أو يكتسيه الغبار.. أيقنت أن صديقي الشيخ، كان يُعنى كثيرا به، فهو على ما يبدو كلُّ ذاكرته..!
كانت محتوياته عبارة عن أظرفة لرسائل من زمن ماض، ماضٍ سحيق.. بالإضافة إلى مذكرة صغيرة، مكتوب عليها: (1988).. قلبت النظر في الأظرفة/الرسائل وفي المذكرة.. تساءلت: بأيها أبدأ!؟ بالرسائل أم بالمذكرة؟ سمعتُ صوتا داخليا يحاول أن يثنيني عن ذلك.. فكنت أقاومه.. ثم سمعته يقول:

اِقرأ المزيد...

قراءة في رواية " هل سأعود يوما ؟ ( فصول من حياة مهاجر) " ـ رشيد سكري

Anfasse22027أـ في العنوان.
  يطل الروائي عبد النبي بزاز ، أيقونة البوح ، على القارئ عبر كوة السؤال ؛ هل سأعود يوما ؟ وللسؤال ثقافته . 
 عندما يصبح للسؤال سلطة ، يُرتهن توهج النص . فضلا عن وضعه للمتلقي أمام خارطة تلقي الخطاب . إن الكاتب، من هذا المنظور، يريد من عاشقيه أن يكونوا في الحدث، مستكملين دورة الإبداع. عن طريق ملئهم الحفر التي تركها الروائي خلفه ، عبر تقنيات السرد المعروفة ؛ يتخطى الزمن ، يلخبط  الكرونولوجيا  ، يثب إلى الأمام ، يستدعي الحلم عن طريق الفيد باك . كلها تقنيات عجَّ بها النص الروائي . 
ـ "هل" من حروف الاستفهام، تفيد التصديق. بما هو إثبات النسبة بين شيئين. لذا يُنتظر من المتلقي الإجابة بالنفي أو الإثبات. ويؤسس الكاتب ، بذلك ، جسور التواصل مع القارئ ؛ كي يرتفع منسوب التفاعل ، بما هو أقنوم الإبداع و الغاية منه. 
ـ من الصورة المصاحبة و العنوان " العودة " ظلال المعاني و إيحاءاتها .
إن العودة تشي بالهجرة بما هي رحلة من... إلى ... سواء داخل الوطن أو خارجه. يتغير معها المكان ، يتغير معها الهواء ، تتبدل معها السلوكات . فالهجرة سفر وجودي تتحقق فيها الذات . تفضح وتعري واقعا هشا أو مزيفا أو أنانيا أو مكيافليا . فالهجرة الوسيلة و الأداة التي وُظفت واستعملت بطريقة ذكية ؛ لفضخ الاختلالات و اللاتوازنات بين عالمين متناقضين . عرى الكاتب  شراسة الإدارات العمومية تجاه المواطن ، و رفع الستار عن مصاصي الدماء ، الذين عاثوا في البلاد فسادا ، يقول :" الله يرحم والديك خاصني نمشي للبلدية ... طفق يتأمله كأنه يراه لأول مرة...  " ص.28

اِقرأ المزيد...

فيروزة ـ قصة : حميد بن خيبش

Anfasse22025لا تكترث لزيادة تاء غير مألوفة ..
ودعك مما يثيره الاسم من حنين إلى الشدو المنساب عبر الأثير العربي، متوسلا طير الوروار أو مناجيا زهرة المدائن. فيروزة هنا عنوان الشقاء في بلدتي، حيث كل شيء يباع ويشترى حتى الضمائر  !
قد تجد فيروزة في كل بيت. أما أو أختا أو جدة ملقاة في أي ركن كالدمية البالية. لذا لن أحكي شيئا مما تعرفه، أو تعودت طبلة أذنك على اهتزازاته كل صباح في مقهى الناصية.
 لك وعد مني، أنا الراصد لبعض ألوان الشقاء، أن تكمل القصة وتنصرف. لأنك دُست مثلي على صور الحرمان دون اكتراث. ما العيب في ذلك إن كان العالم خطة فاشلة لاقتناص السعادة؟ 
هرولت العاملات إلى حيث سقطت فيروزة مضرجة بدمها القاني. شمس الظهيرة تلفح الوجوه بسياطها اللاذعة لتزيد المشهد تذمرا وسخطا، بينما صوت مالك الضيعة يقرع الآذان بشتائمه الغليظة متوعدا فيروزة بالمزيد .ولد الخيرية، صاحت إحداهن، لو كنت ابن أصل لما رفعت عصاك على ولية. تفو يلعن أب.." ركلت الأخرى علب الكرتون المرصوصة غيظا فتناثرت حبات الخوخ يمنة ويسرة على العشب المبلل .

اِقرأ المزيد...

في يوم عادي ـ قصة : ماهر طلبه

Anfasse22024خرج من حجرة نومه - جلبابه الأبيض واسع زاهي، عاري الرأس من عقاله- إلى الصالة الواسعة، جرجر قدميه العاريتين حتى وصل إلى باب الثلاجة، فتحه وشرب من مائها المثلج، أغراه طبق الحلوى العاري أمامه، فملآ منه فمه، وأمسك في يده ما استطاع إمساكه، ثم أغلق الباب واتجه إلى الحجرة من جديد، شد نظره على شاشة التلفاز – التي تحتل جدارا كاملا من الصالة-  أن الطفل الذي يقذف الحجارة على العسكري المدرع كان خفيف الوزن يطير كأنه ريشة، وأن القنابل الدخانية التي تسقط من حوله تضيف إلى الصورة هالة اسطورية، فيظن الرائي أن زيوس يعود من غفوته ويسترد مكانه كإله للبشر من جديد طاردا باقي الآلهة إلى الجحيم أو إلى الصقيع حيث موطنهم الأصلى، سحب نظره من فوق الشاشة وضوئها واتجه إلى الحجرة، الباب الموارب كشف له عريها الذي يناديه، أفرغ يده في فمه وواصل المضغ والبلع، ثم أسرع يجرجر قدميه تجاه الباب وأغلقه خلفه.

اِقرأ المزيد...

نوسطالجيا... العرس البدوي ـ قصة : العياشي ثابت

Anfasse22023تلك الأعراس في بلدتي، لم يكن لها في العالمين مثيل... مراسيم جلب الماء من البئر، يتجند لها شخصان او ثلاثة، يملؤون البراميل المصفوفة حيال باب المنزل المفتوح على الدوام. يدخله العوام والهوام، دونما خشية أو تهيب، فما كان بالبيت حاسوب ولا هاتف أو حتى راديو "ترانزيستور" يُخشى عليه من السرقة... بنت الجيران كانت تعرف مكان الملح والخميرة والدقيق... العرس فرصة لتكسير فراغ الفراغ، حيث تدب حركة رجال لم تجمعهم قبل ذلك غير حلقات لعب الورق، أو جلسات مج دخان السبسي... يتعاونون على بناء خيمة العرس المليئة بالغبار، وبصا ق العصافير المزقزقة هناك فوق كرمة التين بمسجد القرية، إلى جوار مرفع الموتى...
يقوم شبان شداد من البلدة بنصب الخيمة الكبيرة على مسافة يسيرة من المنزل، فتعطي للأهالي إحساسا غريبا، تزيده شحنات، رائحةُ بخار الكسكس الفائر... فيتحسس الجميع بطونهم، ويغلقون أفواههم خشية انبعاث الريق. وإذ تميل شمس الظهيرة باتجاه الغروب، تتهيأ نسوة الدوار للقدوم ، وكلهن شوق لصوت طامو البراحة، قائدة فرقة الغناء النسوي البدوي، التي توزع المدح يمينا وشمالا، والأخريات يرددن خلفها اللازمات المتكررة. تجني من وراء غنائها مداخيل تظفر منها بالقسط الأوفر، فتكون الفائزة بين كل الحاضرات: تغني وتطرب، تأكل وتشرب، تؤدي واجب " الغرامة" لصاحبة العرس، وتبقي بعض الدراهم في حزامها...

اِقرأ المزيد...

المدلول الشعري في السيميائيات الدلائلية ـ البخاري نعيمة

Anfasse11034تأتي دراسة جوليا كريستيفا  Julia kristevaللمدلول الشعري في إطار أنه يحيل على مدلولات خطابية مغايرة، حيث إننا يمكن أن نقرأ خطابات متعددة داخل الملفوظ الشعري، بشكل يجعلنا نخلق فضاء نصيا متعددا حول المدلول الشعري. وإذا ما أخذنا الملفوظ الشعري داخل هذا التعدد أو التداخل، سيشكل مجموعة صغرى لمجموعة أكبر هي فضاء النصوص الموجودة في محيطنا الثقافي.
هذا ما يضفي على المدلول الشعري طابعا تعدديا، فهو مجال للتقاطع، ولعلاقات متبادلة. وهذا التقاطع بين عدة خطابات داخل النص في اللغة الشعرية، قد أشار إليه دوسسيرDe Saussure في  “الجناسات" التي تساهم في بناء خاصية أساسية لاشتغال اللغة الشعرية، يعني امتصاص نصوص متعددة داخل الرسالة الشعرية التي تقدم نفسها من جهة أخرى باعتبارها موجهة من طرف معنى معين. ومن الواضح أنه لا يمكن اعتبار المدلول الشعري نابعا من سنن محدد إنما هو تقاطع لعدة شفرات تجد نفسها في علاقات متبادلة.
        يسمح السيميائي بهذه التحولات داخل الممارسة النظرية ، بخرقه للنظري، وهذا ما تسميه جوليا كريستيفا بالإبداع. يبدو هذا الفيض السيميائي في اللغة الشعرية حيث تعاد نمذجة النظام الرمزي. إن اللغة كممارسة اجتماعية تستدعي صيغتي السيميائي والرمزي، التي تتركب لأجل تكوين أنماط للخطاب. فالخطاب العلمي يميل إلى اختزال السيميائي، بما أنه يستلهم الميتالغة.
     ترى جوليا كريستيفا أنه عند امتلاك اللغة وممارستها عند البالغ يتمركز التلفظ على اعتباره يمثل تكونا للوحدة الذاتية من جهة، يعني انفصال الأنا عن جسد الأم ومرحلة المرآة، ووضعية الآخر كموضوع ومرسل إليه، وإدماج للسيرورات الغريزية السيميائية من جهة أخرى. فالإسناد أو التلفظ، يظهر كممارسة تناقضية، وهذا التناقض يوجد مع التناقض الذي يمثل الذات المتكلمة انطلاقا من الجسد. فالجسد هو نفسه يصبح حمولة توليدية متحركة، واستبدالا اجتماعيا، وموقعا للتغييرات الطبيعية والاجتماعية، بما أن الحمولة التوليدية هي تشكل تمفصلا سيميائيا لإجراء الذات، ومنطقا توزيعيا، يتجاوز الجسد داخل الفضاء الاجتماعي، ليخلق ذلك التحول في المواضيع وفي العلاقات بالآباء وبكل الشريحة الاجتماعية.

اِقرأ المزيد...

الحمامة و الحَيدَوَان ـ قصة : الحسين لحفاوي

Anfasse11026كان غضا، و كانت سنواتها الخمسون تزحف بها نحو النهاية، فقد أعمته ثروتها عن تجاعيد وجهها     و عن يديها المعروقتين، جذبته إليها سيارتها الفارهة و أسورة الذهب التي يضج بها معصماها، و قلائد العقيق المتناثرة فوق جيدها. أما ما جذبها إليه فقوته و سمرته الكالحة. كان جريئا و كانت تبحث عن تلك الجرأة و تتمناها، كان جامحا و عنيدا، و كانت تفتش عمّن يحكم شد لجامها و يسوسها و يركبها، كانت تبحث عمن يميتها ببطء ثم يحييها، و كان هو ذاك الجواد الذي ظلت ترسم صورته في ذهنها، و حين عثرت عليه لم تفرّط فيه. لم تجد قبله سوى الذين أشارت إليهم بسبابتها فمدوا إليها رقابهم فداست عليها ضاحكة ساخرة مستهزئة. لكنها عندما وجدته أدركت معنى أن تكون مسحوقة. شد طرف حبلها بيده         و ترك لها العنان تركض كما تشاء فاسحا لها البرية تنعم فيها باطلاق قوائمها غير مكترثة بالصخور المدببة الناتئة، و كلما عن له أن يدنيها منه جذب الحبل، فأدار عنقها إليه، فتأتيه  متمسحة على أعتابه صاغرة ذليلة سلسة الركوب...

اِقرأ المزيد...

قصّة "فنان الجوع" لكافكا - بسمة الشوالي

Anfasse11023كوجيطو المعدم: أنا أموت إذن أنا موجود
الجوع أيضا أسلوب في مقاومة الموت، تقنية في البقاء حيّا. في رواية " في بلد الأشياء الأخيرة " لبول استر، كتبت آنّا بلوم لصديقها :" .. لولا جوعي لما استطعت أن أستمرّ. على المرء أن يتعوّد على الاكتفاء بأقلّ قدر ممكن. فكلّما قلّ ما يريده، رضي بالقليل، وقلّت حاجته، وأصبح في حال أفضل. هذا ما تفعله المدينة بك.." تلك المدينة الأوروبيّة التي خرّبتها الحرب العالميّة الثانية وصار فيها الجوع " لعنة تحلّ في كلّ يوم. والبطن حفرة لا قاع لها، بحجم العالم"، ممّا جعل عدد النحيلين جدّا يتكاثرون حدّ أنّهم "أحيانا تذروهم الريّح، والرّياح في المدينة شرسة" ممّا يجعلهم "يتجوّلون في جماعات من اثنين أو ثلاثة. وأحيانا عائلات بأكملها ترتبط معا بحبال وسلاسل لكي يدعم بعضهم بعضا في وجه الهبّات القويّة".
والجوع قبل ذلك، فنّ من الفنون التي عرفت في عصور خلت فترة ازدهار. في قصّته "فنّان الجوع" يرصد كافكا سيرة حياة أحد فنّاني الجوع العظماء في عصره. لكن، بأيّ معنى يكون الجوع فنّا استعراضيّا؟ أيّ جماليّة في عرض جسد أخواه السّغب المنظّم حتى قبّحه؟ ما وجع السّعادة في التقاط صورة تذكاريّة إلى جانبه؟ أيّ نفعيّة من هذا النّمط الفريد من الفنّ؟

اِقرأ المزيد...

امرأةٌ، طِبٌّ، وحِذاء ـ قصة : د.فراس ميهوب

Anfasse11022قرَعْتُ الباب بهدوءِ الحَذِر، انتظرْتُ لثواني مَضَتْ بطيئةً كدَّهْرٍ، صوتٌ دَعَانِي للدخولِ، اعتقَدْتُ سبقَ سماعه، كان المدير جالساً على كرسيِّه الفَخْمِ ، يشاهد التلفاز ويعبث بجهاز التَّحكم، رافعاً قدميه فوق مكتبه، فعَادَتْ ذاكرتي خمْسَةَ عشرَ عاماً إلى الوراء.
جاء الطبيب المُقِيمُ الجديد، أنيس، خِرِّيجُ إحدى الجامعات الروسيَّة، أذناه كبيرتان بشكلٍ مُلفِتٍ، شفتاه غليظتان قليلاً،  بوجهه  بعض الشحوب مع طيبةٍ ظاهرةٍ.
مرَّتْ أسابيع قليلة على وصوله إلى المشفى الجامعيِّ، بدَتْ الحقيقةُ مؤلِمةً، فالطبيب الجديد رغم شهادته المُعترَفِ بها، ومُعَدَّلهِ المؤَهِلِ لاختيار اختصاصٍ كالأمراض الباطنة، إلَّا إنَّ معارفه الطبيَّة تعادل مستوى جدِّيَّ الفلاح بذات الموضوع.
أثار أنيس للأسف سُخريَّة الجميع، أساتذةً و زملاء، مع ذلك كان متماسكاً بشكل واضح، أبدى الجديَّة في العمل، وما تخلى يوماً عن مظهره الأنيقِ.
الحقائقُ القاسيَّةُ بدأتْ بالظهورِ، فوالده التَّاجر مُفْرِطُ الغِنَى أبى على ابنه إلَّا أنْ يدرس الطبَّ في روسيا رغم أنَّ شهادته الثانويَّة أدبيَّة.

اِقرأ المزيد...

صورة الآخر في الرواية المغربية : صيف في ستوكهولم لعبد الكبير الخطيبي نموذجا ـ سكينة عبد اللوي علوي

Anfasse29019إشكال كبير يمكن أن يطرح في هذا المحور ألا وهو لماذا اختار الجنس الروائي الحديث عن الآخر وجعله موضوعا للكتابة ، وحينما نتحدث عن الآخر هاهنا فنحن لا نقصد به الغريب الغربي وإنما أيضا الآخر في الجنس –ذكر في مقابل أنثى- ولماذا انصب اهتمام الكثير من المبدعين على موضوع الآخر.تفيد ماجدة حمود بقولها:"إن هذا الفن يستطيع عبر إمكانياته السردية والجمالية ،أن يفضح أوهام الذات وانحرافاتها الفكرية والشعورية.خصوصا حين تسجن الآخرين في انتماءات ضيقة (مذهبية أو عرقية إلخ...)مثلما يستطيع التغلغل إلى أعماق الروح الإنسانية، ليبرز قدرتها على تجاوز هذه الانتماءات ، والدخول إلى عوالم رحبة تحرر الإنسان من إكراهات تربى عليها "[1]

جاءت رواية صيف في ستوكهولم تحمل في طياتها حوارا مع الآخر.انفتاحا على تقافته وتقاليده وعاداته.بالرغم من أن كاتب الرواية مغربي الأصل والنشأة إلا أن بطل الرواية وساردها إيطالي الجنسية.فكان الخطيبي حذقا في محاولته لتبني أفكار وديانة الآخر الغربي لكن ألا يخلو هذا التقمص من نفحات شرقية عربية يظهرها لا شعور السارد؟هل فعلا نجح الخطيبي في إيهامنا بأن بطل روايته شخص غربي يمثل الآخر بالنسبة لنا ؟ أم أن نزعة الأنا العربية ظلت حاضرة تجابه الآخر الغربي؟ما الذي يحاول الخطيبي إيصاله من خلال هذا النص الذي اعتمد فيه على شخصية من وسط غربي لتروي أحداث روايته؟ كل هذا سنحاول اكتشافه من خلال الحوارات التي ضمها المتن المدروس.
تفيد ماجدة حمود دائما في هذا الخصوص على أن الاهتمام بالذات يخلف نوعا من التضخم وعدم قبول الآخر مما يترتب عنه من رفض وإقصاء فتدلي بما يلي "إن دراسة هذه الإشكالية ،تتيح لنا فهم خصوصية الأنا التي تتشوه حين تقوم على تعظيم الذات ،وتنطلق من نظرة واحدة إقصائية تحتقر كل ما يختلف معها.مثلما تتيح لنا فهم خصوصية الآخر المختلف الذي يبدو ديموقراطيا في حياته الخاصة وفي إبداعه الروائي .لكنه في ممارسته السياسية يقهر المختلف عنه، خاصة العربي والمسلم ويصبه في قالب واحد(الإرهاب ،الكسل ،القذارة ،اضطهاد المرأة...)[2] .

اِقرأ المزيد...

الرفض في الشعر الحديث ـ إبراهيم مشارة

Anfasse29018إذا كان لا بد من كلمة تقال في شعر التفعيلة أو الشعر الحديث كما يحلو للبعض تسميته تكون مفتاحه أو تلخص مساره أو مضمونه فلن تكون تلك الكلمة غير كلمة الرفض، إنه شعر استهل مشواره الإبداعي بالتمرد على عمود الشعر الكلاسيكي، ولئن حاول بعض الشعراء المحدثين التجديد في الشعر باطراح التقليد والتكلف اللغوي بانتقاء اللفظ البراق والحرص على الصدق الفني والتأكيد على التجربة الوجدانية شأن الرابطة القلمية وجماعة الديوان وجماعة أبولو فإن رواد الشعر الحديث رفضوا هذا الموقف مصرين على الثورة حريصين على سلوك مسلك في الشعر فريد من نوعه لا يكتفي من التجديد بما سلف ذكره، بل يرفض عمود الشعر ويتمرد على القافية لأنها تخنق روح الإبداع وتؤكد تبعية الشاعر للغة فضلا على الإصرار على روح التقليد و رتابة الماضي.
وهكذا فالشعر الحديث استهل رفضه بالثورة على القالب الشعري زاعما أن القالب التقليدي لا ينسجم مع روح العصر و لا يلبي الاحتياجات الفكرية و الجمالية المستجدة خاصة و عصرنا هو عصر العلم والديموقراطية والحرية الإنسانية – حرية الفكر و المعتقد – وعصر حصلت فيه المرأة على حقوقها ناهيك عن تأثير الإحتكاك بالثقافة الأوروبية التي تدمر روح الجمود لحساب روح الإبتكار وتؤكد على المضمون الإنساني و تحرص على احترام فردية الإنسان وتميز كيانه الفكري و الإيديولوجي والتي هي في النهاية خلاصة التجربة الديموقراطية المنبثقة عن الثورة الفرنسية و إعلان حقوق الإنسان هذه القيم التي تمثلها شعراؤنا المحدثون وتبنوها كقناعات فكرية ومن ثمة تبلور الرفض وتحتمت الثورة كصرخة عميقة تزلزل الروح موقظة إياها من سبات عميق وخدر فكري زين للإنسان العربي أوهام الماضي على أنها حقائق وفي مقدمتها فكرة تاريخية عميقة تداولتها الأجيال على أنها مسلمة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها وهي فكرة المركزية ونعني بها اعتقاد العربي أنه مركز التاريخ ودرة الوجود وحامل لواء الحقيقة وما عداه فذيل أو هو على الهامش، لا هو في العير و لا هو في النفير وقد انتهت تلك الأفكار بالعربي إلى إدانة العقل و تبني التقليد وانتشار الثقافة الفقهية على حساب الثقافة العلمية ووئدت الحرية و أجهز على الروح الإنسانية في المرأة وهمشت أحقابا طويلة كما استبد الحاكم وعبث بالإنسان وبالمال العام فعمت الجهالة وانتشرت الفوضى وترسخت الطبقية و أصبحت الحياة العربية إلى تاريخ الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 حياة عبثية مجردة من القصدية انتهت بالعالم العربي إلى الوقوع فريسة سهلة بين مخالب القوى الاستعمارية الفرنسية و الإنجليزية خاصة كنتيجة حتمية لتراكمات العصور السابقة بظلالها القاتمة.

اِقرأ المزيد...

ولدٌ وبنت ـ قصة : ذ .رشيد سكري

Anfasse29014 1.
      رذاذ رُضابي يلف بيوتا داكنة ، مشرئبة بأفاريزَ مغلفة بالقماش ، تثقلها الحجارة . في المكان ضريحٌ ومقبرةٌ و مُغُرٌ بحرية مهجورة. صيَّادون ، كلما اشتد هدير الامواج ، ينبعثون من هنا وهناك ، وحتى من سديم الضباب الكثيف . يحملون متاع صيدهم  وقفافهم ، ويغيرون الامكنة ، صاعدين صخورا ضخمة ؛ تعلو هاماتها المياه الزرقاء .
     بنت ، بشعرها الكستنائي المنسدل على طرف الظهر ، تعبث بالرمل المبلل على الشاطئ ؛ ترسم دوائرَ تضيق بإصبعها الحليبي الجميل . وتحاصر سلطعونا و قَفَّازا رمليّا ، تضع لهما حواجزَ من الرمل المبلل ، و تصيح :
ـ   لا مَنَاصَ لكما ...
ـ  لا مَنَاصَ لكما ، الآن ...
لما فرغت من مغازلة كائنيها ؛ تذوب الرمال ، وتعود الغنيمة حرة طليقة . تتبعها ؛ فتحيطها بقدمها الغضِّ في دورات غُنْجِية ، كراقصة البالي على الكعب الذهبي .

اِقرأ المزيد...

الكُوخ.. (ج 1) ـ نص : محمد العيساوي أبوزرة

Anfasse29015عدتُ إلى النهر، جلست عند ضفته وفتحت الكتاب لأقرأ ما تيسّر منه.
رميته جانبا -الكتاب- بعد بضع دقائق من مباشرتي له.. لم أعلم ما دفعني إلى ذلك؟ ربما لأني كنت مالّا..! على صفحة الماء طفت صورتكِ التي ارتسمت ذات صيف قائظ في ذاكرتي..
لا أدري هل كنتِ تبتسمين حين كنت أتأمَّل وجهكِ!؟ أم كنتِ زامّةً شفتيكِ فحرك الماءَ نسيمٌ رسم تلك الابتسامة التي تراءت لي!؟
عندما أتذكر تلك اللحظة ألعن السماءَ التي لم تجد وقتا أنسب لها، وأسوء لي، من تلك اللحظة التي كنت فيها أهُمُّ باحتضان صورتك..! أو ربما إن السماء كانت تعلم أنكِ ستحتضينني إلى الأبد..! فأشفقت علي..؟
أدخلت يدي في جيبي سروالي الأسود الأماميين، قذفت بقدمي اليمني زهرة، كانت هي الوحيدةُ هناك.. بعد بضع خطوات، بدا وكأني أسمع نحيبا.. التفت خلفي، فكان النحيب نحيبَ الزهرة الصفراء.. انتابني شعور بالذنب.. من عينيَّ تسربت عبرات رغما عني.. أدركت خلالها أنيَ هش كورق الشجر اليابسِ.. تقدمتُ نحوها وحملتها بلطف شديد..

اِقرأ المزيد...

وتشرق الشمس من جديد ـ قصة : هشام ناجح

Anfasse29012" إنك تتحسس طريق الذين عبروا قبلك. يالك من أحمق أيها الشقي، كم يلزمك من حيوات لمعرفة الطريق؟"      
   كاتب سها البال عن ذكر اسمه.
حين توقع مارشينا أنه منذور لشيء عظيم، رفع بصره إلى السماء ليتلمس وجهة الغروب، فهذا النذر يرتبط في ذهنه أو قواه النفسية بالأشعة الوردية على الساحل الباسكي ببياريتز. كانت الأشعة قد مرت على معصمه، منزلقة على ساعته المتوقفة عند الساعة السابعة. كان بإمكان هذا النذر أن يكون سباقا، ويلقي بثقله عنوة وسط النهار. لكنها مسألة مبنية على مشاورات حسية، تسعفها عوامل خارجية كذلك؛ كيوم خال من الغيوم، وشمس لذيذة الملمس تخترق العصب الحركي، وجلال الصمت المنغمر بين ثنايا الموج حين يصدح، ويرجرج كسوة مده إلى شريط الرمل، أو نباح كلب السيد باستيان المتواصل، المؤشر على ميعاد خروجه بغية إلقاء حاجاته الطبيعية، وجريه ودورانه على نفسه، متوهما أنه يشاكس كلبا آخر بحركة من طقمه بتهديد لطيف. وحتى يقف عند القصد الذي لا يخذله، فقد أحس أنه لا يملك القدرة على تحمل جسده، إن لم تقل: إن ثمة خلطا في فهم الإحساس بين النذر والصدف الغامضة والحلم الصاحي، بعبارة أدق؛ إنها مرحلة تخطي القنوط والرتابة وديمومة الشعور إلى ذلك الحشد المنسجم مع الحواس كنوبة موسيقى أو مخدر يدب دبيبه إلى مراكز السعادة و موطن الأسرار عقب انتعاشة يرشح  معها عرق بارد، تتدحرج حبيباته على ظهره حد المفرق.

اِقرأ المزيد...

قراءة في المجموعة القصصية و الشعرية : همس الروح ـ د.المصطفى سلام

anfasse2107انطلاقا من العنوان الذي  اختارته  الكاتبة لهذا المنجز الشعري القصصي عنوانا شاعريا و شعريا " همس الروح " و الهمس نمط من الكلام بصوت لا يكاد يفهم ؛ قال تعالى : " وخشعت الأصوات للرحمان لا تسمع إلا همسا "... طه 108.  و كأن هذا المنجز اتخذ الهمس نمطا وصيغة من صيغ التعبير، فهو لم يتخذ الصراخ ولا العويل ولا الغناء ....بل الهمس . كما يكشف هذا النمط من الكتابة و الإبداع صيغة التلميح والتعريض، وليس التقرير و التعيين، وبالتالي كان الرهان على نوع من القراءة أو على نمط خاص من القراء، أي ذلك الذي يدرك الهمس و يفكك شفراته ويرصد معانيه الخفية ...هو قارئ تحرر مسبقا من تأطير إيديولوجي أو نزعة فكرية أوعقيدة دينية تبررله ما تجب قراءته وما لا يجب . هذه النصوص تقرأ بعيدا عن أية إيديولوجيا ودون تأطير من أية عقيدة دينية أوقومية أوعلمية. إنها نصوص تأتيك همسا وتهمس في أذن القارئ معنى وترسم له دلالة وتلمح له على أجوبة ممكنة لأسئلة يطرحها الإنسان في وجوده ، وفي علاقاته ،وفي صيرورته ...
       في هذا العمل الإبداعي نوعان من الهمس: أول شعري وثان قصصي. وسننظر في الهمس القصصي لنرى ما فيه من مدارات دلالية وخصائص فنية وجمالية .

اِقرأ المزيد...