الأحد 22 تشرين1

أنت هنا: الصفحة الرئيسية ترجمة وسياسة سياسة وحقوق الانسان الدولة الأسطورية ـ رشيد اليملولي

سياسة وحقوق الانسان

الدولة الأسطورية ـ رشيد اليملولي

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

anfasse22092
  لا شك أن ثقافة الاحتجاج غدت نوعا من الوجود بالضرورة ، الطامح إلى بناء فلسفة سياسية و ثقافية ، تمتح من معين الرصيد الثوري للشعوب، التي نجحت في تحقيق أمنها السياسي ، و تقعيد أسس الفعل السياسي في البعد الذي يجمع بين خطابها " النظري " و نزوعها العملي ، و قد أرست هذه الثقافة لمحو الخوف السياسي من النفوس ، الذي اعتاد ممارسة الوهم باسم السياسة ، انطلاقا من مبدأ " الطاعة و الرعية " ، غير أن هذا المنحى لم يستطع بعد  أن يؤسس ذاته باعتباره فعلا احتجاجيا مقرونا بالحجاج السياسي ، الذي يتأسس على السلمية و القوة الاقتراحية  ، و يترجم في المشروع الاجتماعي البديل الذي يطور من التراكم المحقق ، و يتجاوز الكوابح و المعيقات ، و يستطيع أن يستثمر خصوصياته المجالية و الاجتماعية و الثقافية و حبك مقوماتها ، و نسج اختلافها في وحدة منسجمة ، تتعالى على الانتماءات القبلية أو الدينية أو الحزبية الضيقة ، و الإحن العرقية الفجة .

 فشلت " الأنماط " السياسية خاصة في العالم الثالث ، أن ترسي مجالا سياسيا محكوما بالتدافع و بناء الاختلاف ، و أقصى ما عملت على ترسيخه ضمان علاقات ميتافيزيقية ، تؤمن بالثنائيات الضدية التي تعكس وعيا إرهابيا أكثر منها بنية سياسية ، أي أن تمثل المجال السياسي و مكوناته لا يستقيم إلا إذا نحا حدين مختلفين و متناقضين ،بمعنى أن الخيارات المتاحة إما الطاعة العمياء من غير محاسبة ، أو الفتنة ، لدرجة تحولت كل مكونات هذا المجال إما تابعا من غير وعي ، أو ثائرا من دون سند اجتماعي أو كتلة تاريخية ، أو امتداد ثقافي بحكم منطق الدولة الأسطورية التي تحبس الأنفاس .
  إن القول بضمور الإنتاجية السياسية في المجال الحضاري الإسلامي يوازيه في العمق غياب أية مشروعية سياسية أو اجتماعية ، لدرجة تحول معها " التفكير " في السياسة بمثابة تفكير في إثارة الفتنة ، أو في أقصى الأحوال ضمان استمرارية السلطة من دون نتيجة سياسية ، تتغذى على أن التفكير من خارج " الأنا " السلطوي ، هذا المنحى يعد إشعالا لأوار فتنة و إثبات مقومات الردة بالمعنى الديني لا السياسي ، و ما بدعة السنة و الجماعة إلا آلية لتكبيل التفكير خارج النمط التوجيهي ، فلا هو سنة بالمعنى الديني ، و لا جماعة بالمعنى الاجتماعي ، حيث لا يشكلان قاعدة متجانسة و كل محكم في الرؤية و الخطاب و الأفق ، إذ هما في المحصلة النهائية " طغمة " تم تعضيدها دينيا ، و تقوية شبكة نسيجها الاجتماعي بالدولة الريعية أو دولة العطاء .
لم ينفك المخزن الأسطوري عن طابع اليد الثقيلة و القوة و العسكرة ، و إنتاج الأجساد الطيعة ، و التفكير انطلاقا من الأنا الخيرة ، أو ما يسمى تجاوزا بالعنف المشروع الذي ارتقى إلى العنف المؤسس ،و الشطط في استعماله و توظيفه خارج أي قاعدة أخلاقية أو قانونية ، ما دامت لا تعترف بإنسية الإنسان و اختلافه في منطق القول و التأويل ، و لا غرابة أن يكون التاريخ الإسلامي حافلا بالاغتيالات ذات المرجعية السياسية و بغطاء ديني مفضوح ، حيث أن الاختلاف في تقديم الذات و ضبط مستويات الحقيقة السياسية عن طريق تقنين الممارسة السياسية و إخضاعها ليس للقاعدة القانونية أو الدستورية ، و لكن للقاعدة الإنسية و قانونها الخلاق في الاختلاف ، يوصف بالضمانة الوحيدة و المطلقة لمنطق سريان مستويات الفهم من داخل الوحدة ، و ليس الشذوذ و الأنا و الاستثناء بدعوى الحق في الاختلاف .
لا يعد إشكال الدولة المظهر الوحيد المعبر عن أزمة السياسة ، بقدر ما يمتد إلى الفرد المحتج ، أو الفاعل السياسي ، و الذي غالبا ما يقتات على مفهوم اللقاحية و الحرية بمعناها غير المنتج باعتبار السلطة من تصاريف الزمن ، و غالبا ما كان تمجيد الثورة و التذمر يتم على حساب بناء العلاقة بين هذه النوعية من الأفراد و الدولة ، لدرجة أضحى الإشكال ليس في المجال السياسي بصنفيه الدولة ـ الفرد ، و لكن  في مفهوم هذا المجال و مضمونه ، حيث إن الثورات و التمردات التي دونها التاريخ أو تجاهلها ، لم تقدم ذاتها خارج النمط المحدد سلفا ، إذ صاغت نفسها وفق ما هو مقدم تاريخيا من " نماذج " ، و أعادت إنتاج الإعاقة ذاتها مضمونا و شكلا ، حيث أن مفهوم الثورة و التمرد و الحركة و الهبة ظل راسخا في التمثل الاجتماعي على شكل قيم سلبية ، و تحول مع مرور الزمن إلى حقل دلالي لكل معاني الفوضى و الغريزية ، و تهديد الأمن و السلم الاجتماعيين ، و غالبا ما ارتدت هذه التمردات إلى عناوين للفشل السياسي الذريع و المريع معا ، و انتقلت من إمكان إعادة الثقة و البناء إلى مجال مفتوح للهدم و القتل و التشويه ، بيد أن ذلك تم على حساب جدوى التغيير وفق قراءات أخرى و منطق مغاير لا يهدد بالضرورة ، و يبدو أن نجاح الآلية السلطوية في إنتاج " الرهاب " من التغيير ، قد عمل على تشويه و تحقير و تصنيف الثائر دينيا و اجتماعيا ، و اعتبار فعله مجرد فوضى و في أحسن الأحوال تعبير عن مصالح فئوية ضيقة .
  إن واقع الحال في المغرب يوحي بأن الدولة لم تتخلص من طابعها " الثقيل " رمزيا و نفسيا و سياسيا ، باحتكارها لجل المبادرات السياسية و تقعيد فلسفة الهامش المحاصر و الاجتهاد الظني الذي لا يمس القاعدة السياسية و جوهرها و المتواطئ في بنائها ، و إخراجها بالصورة التي تستدعي ضمان و استمرارية النسق و المنظومة المخزنية برمتها ، و إضفاء الهالة و الشرعية السياسية على جل ممارساتها ، لدرجة تحول الفاعل السياسي و المدني فيها إلى مجرد " رقم " لاستكمال الصورة السياسية للمخزن التقليدي ، و مجاراته و محاكاته في جل المبادرات و النسج على منوالها ، بشكل " إجماعي " غير مقنع و غير مفهوم فلسفيا و سياسيا و ثقافيا ، و الأدهى دون تقديم البدائل و القوة الاقتراحية المنتجة على المستوى التنموي ، حيث تم سحب البساط من تحت أقدام هذا الفاعل المدني منه و السياسي ، و لا أدل على ذلك من الرموز التي " تؤثر " في المشهد السياسي في المغرب ، حيث تطالها الضحالة و الفراغ القيمي عبر الزواج الفلكي ما بين القيم الحزبية ؛ الإسلامي مع اليساري و الوسطي مع اليميني ، و كأننا في حفلة تنكرية لا ندري ضيوفها سوى أنهم أرقام لتأثيث الحفلة و الفضاء ، تتداخل فيها الأنغام و تتعالى الأصوات من أجل "برامج " مهزوزة ، و أفكار يطبعها النشاز و التكرارية .
بالمقابل ؛ فشلت الحركات الاحتجاجية في صياغة مشروع منسجم و متكامل ، و ظلت أسيرة نزوعها الانقسامي و أحلامها السريالية ، و افتقارها إلى الامتداد الاجتماعي الدال على الكتلة التاريخية القادرة على التغيير ، إذ ركنت إلى التفاعل دون الفعل ، و أبدعت في الاشتغال على المقومات نفسها دون طرح البديل السياسي و الاجتماعي ، بحكم ارتباطها " الأرثودكسي " بالأحزاب ـ طبعا في إنتاج الولاء و الطاعة دون مسافة نقدية أو استقلالية ممكنة ـ بإيعاز من قبلية مفضوحة بعيدة عن التثوير الثقافي ، فلا النقابات أخذت بناصية الحراك الاجتماعي ، و لا المجتمع المدني استطاع إزاحة المكونات السياسية الهرمة ، و هنا تظهر الأزمة الاحتجاجية بكل تجلياتها ، هذه الصورة القاتمة لا تحجب عنا حركية اجتماعية كامنة ، تتظافر الأسباب الداعية إلى خروجها من " التصوير " المخزني ، و من التبعية للفاعل السياسي و النقابي ، و لا غرابة في ذلك إذ تستمد شرعيتها من القيم النضالية غير المادية معبرة عن روح عصرها ، تفتقر إلى العامل التنظيمي الفعال و الحجاج السياسي ، و تنويع مصادر الصراع دون حصرها في الخلفية القانونية أو الدستورية ، و ذلك ما قد يضمن لها النجاح في كسر المخزنة .
تستند الدولة الأسطورية إلى شرعية تاريخية أجاد العديد من فقهاء السياسة في إيجاد المسوغات لتبريرها و تقنينها ، و تزويدها بالخلفية الدينية التي تدعمها و تقويها ، و تضفي عليها مناعة خاصة ، تجعل منها غولا يتجاوز المجتمع و إن كان ينطلق و يستمد شرعيته منها ، و استطاعت أن تجعل من إمكانية المحاسبة حتى لا نقول الثورة أو التغيير ، مجرد هوامش يستحيل إيجاد مسوغاتها الشرعية للمطالبة بالحق أو الرغبة في الحصول عليه بالقواعد الأخلاقية و القانونية ، لذلك عد الفقه السياسي في الكثير من مناحيه مجرد امتداد للسلطة و تعبير فقهي باسمها ، حين فشل في معانقة القضايا الاجتماعية و الدفاع عنها ، بشكل يوحي بأن الكثير من ملامح الفقه في التاريخ الإسلامي مسكون بهاجس السلطة و الخوف من الفتنة ، حتى غدا الخوف منها وسيلة للدفاع عن سلطة أصلها فتنة ، حين تساقطت كل شروط الإمامة تباعا لدرجة الاعتراف الشرعي الصريح بالشوكة و العصبية و القوة .
تطفو على سطح و عمق الدولة الكثير من فلسفات الاستقواء ، خارج أي ميثاق سياسي أو اجتماعي ، فتارة تعالت الدولة على المجتمع باسم القبيلة ذات السيادة و الحق في امتلاك السلطة ، و تارة أخرى " تفرعنت " على المجتمع باسم الشرف و نبالة الدم ، الذي من حقه امتلاك السلطة بتفويض إلهي ، لا يرقب في المجتمع إلا و لا ذمة ، يراكم الثروة ، يراكم الجاه ، و يراكم العنف و يستبد بكل القيم المادية و الرمزية ، التي تخوله القفز على كل الأعراف القانونية و الدستورية ، و تأويلها بما يخدم سلطته ، هذا دون الحديث عن حق المجتمع في الصدح بالشكوى باعتبارها من أتفه و أحقر الحقوق المنصوص عليها تجاوزا في الوثيقة الدستورية ، التي أضحت في ظل الدولة الأسطورية نقط عروس و أبعار ضباء كما تقول العرب ( كناية على الشيء العابر ) ، هدفها تسويق الصورة السياسية في الخارج ، و تقديمها مادة للاستهلاك في الداخل .
الدولة الأسطورية مسكونة بهاجس الأمن بالمعنى البيولوجي ، و هو الخوف الشاذ من التغيير ، و من الاختلاف و صراع التأويلات الراغبة في الشرعية الاجتماعية ، لذلك الأمن المعبر عنها في أدبيات هذه الدولة هو أمن أمني ، تقوم فلسفته على إلحاق ميادين التنمية بالعنصر الأمني ، و احتواء القضايا الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية ،و ابتلاعها بضرورة الأمن و السلم الاجتماعي ، و لا غرو ، فالمغرب في هذا السياق يشكل الاستثناء الأمني ، و طبعا ليس الأمن الغذائي أو الفني أو الروحي أو الثقافي أو العلمي ، و إنما الأمن بمعنى الشوكة و القوة و كل الصيغ المرتبطة بالأدب السلطاني في شكل الدستوري الحالي ، و لا أدل على ذلك من الالتفاف على كل المطالب التي أحدتثها الحركية الاجتماعية سنة 2011، و لعل الإنفاق المتزايد على البعد العسكري مقابل ضحالة و هزالة إن لم يكن الغياب شبه التام لميزانية علمية أو ثقافية ، بإمكانها تحقيق القفزة و الطفرة العلمية و التنموية ، ليعد الملمح الأكثر تعبيرا عن الدولة الميتافيزيقية .
تتغذى الدولة الأسطورية على نسيج اجتماعي هش ، مبني على هندسة اجتماعية تروم فبركة الخرائط و الأنسجة المرتبطة بها ، حيث يجري تحويل الإحن و النعرات القبلية إلى قانون للصراع الذي لا يمس جوهر العملية الاجتماعية و السياسية ، أي أن هذه الصراع لا يخدم الوطنية و ثقافة الانتماء ، بقدر ما يسهل الانقياد و إنتاج الأجساد الاجتماعية الطيعة ، و التي لا ترى العدو في غياب قيم العدل و الحرية و الكرامة في المؤسسات ، نظير النظر إليه في الفرد المختلف و القبلي أكثر تحديدا ، بشكل يحول أدبيات الصراع من صراع حول القيم المشتركة ، إلى صراع حول الأصل العرقي و أفضليته و أحقيته و أسبقيته التاريخية ، و هو ما يؤبد الهزيمة و الفشل التنموي و الحضاري ، و يقوي قواعد القوة و الاستمرار في بنية الدولة الأسطورية و المخزنية .

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث