الثلاثاء 24 تشرين1

أنت هنا: الصفحة الرئيسية ترجمة وسياسة سياسة وحقوق الانسان ملامح التنمية الأمنية ـ رشيد اليملولي

سياسة وحقوق الانسان

ملامح التنمية الأمنية ـ رشيد اليملولي

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

anfasse09062
 فشا الميل في التجربة الحضارية الإسلامية عموما ، بأن المدخل الأمني يعد البوابة الضامنة لتنمية و حماية البلاد ، و لا غرو أن هذا الفهم قد أبد التغلب و الفكر و الفعل العصبوي ، و أمدهما بسياج شرعي أباح لهما وحدهما  إنتاج مفاهيم الحقل السياسي و الثقافي و الاجتماعي ، لدرجة تقعيد الجانب العسكري وحده باعتباره الدلالة و الدعامة الوحيدة للأمن القومي ، و إذا كان هذا الفهم يكتسي بعض الوجاهة من خلال ربطه بالمصلحة الوطنية ، عن طريق حماية وحدة و سيادة و استقلال و استقرار الدولة ،فإنه يركز قسرا على النطاق دون المفهوم ؛ إذ هو نقطة التقاء و تفاعل السياسة الداخلية و الخارجية و أداة للربط بينهما ، و قد يتعداها إلى موقع و موضع و جغرافية الدولة السياسية ، و مدى قدرتها على تعبئة مواردها الاقتصادية و المالية و تحويلها إلى فلسفة خاصة بها [1] ،في وقت لا زال مفهوم الأمن أسير مفارقة لا نميز فيها بين الأمن القومي و أمن السلطة الحاكمة أو السلالة المسيطرة ، هذا التصور القاصر غير ذي معنى إن نحن استحضرنا أن الأمن الخارجي للدولة أضحى من اختصاص المنتظم الدولي و القوى الإقليمية الفاعلة [2] .
   إن الربط بين الأمن و الخوف و الخطر ، يحيل على مفهوم واسع لا قيود عليه ، يتم بموجبها حصره في الدفاع عن الذات بحمولتها الغريزية ، و ليس بمضمون الوعي لعل عنصر الردع الوقائي أحد خطوطها الاستراتيجية التي تجعل العملية الأمنية عملية مركبة بامتياز [3] ، لا ينفصل فيها الاهتمام بالمسألة التنموية عن قضية الأمن القومي ، الذي يشكل الجانب العسكري منه بعدا من أبعاد هذه الأمة ، إذ أن تحقيقه لن يتم دون الاستناد إلى قاعدة أمنية قوية في مستوياتها السياسية و الاقتصادية المتداخلة [4] .


إن الناظر للتجربة الأمنية للعالم العربي ؛ يلاحظ أن العديد من العروش السياسية قامت على انقلابات عسكرية بشكل دفعها إلى تذكية حماس الإنفاق العسكري المهول [5] ، و قد زاد هذا الإنفاق خلال الفترة 1980ـ 1985 بنحو 22% ، بينما لم يتطور الناتج الداخلي المحلي إلى بحوالي 0.8% [6] ، و تأخذ هذه الأرقام منحنى تصاعديا بعد 1985 ، حيث تجاوز الإنفاق 1000 مليار دولار ، ممثلا بذلك حوالي نصف ما أنفقته الدول الأوربية الأعضاء في الناتو و ثلاثة أضعاف الإنفاق العسكري في إيران و تركيا و إثيوبيا و اسرائيل ، كما يمثل تقريبا الإنفاق العسكري لكل من قارتي افريقيا و أمريكا الجنوبية [7] ، هذه الأرقام مرشحة للارتفاع في ظل تصاعد وثيرة الصراع و الحرب بالوكالة في سوريا و اليمن و العراق و ليبيا ، فوفقا لمعهد ستوكهولم لدراسات السلام ؛ جاءت السعودية في المرتبة من حيث الإنفاق العسكري سنة 2013 ب67 مليار دولار ، تليها الإمارات ب19 مليار دولار ، و الجزائر ب 10.4 مليار دولار ، و اللافت للانتباه أن حجم الإنفاق العسكري بالنسبة للمغرب قد ارتفع سنة 2015 ليصل إلى 2.3056 مليار دولار ، و نتيجة لحمأة الصراع الدولي و الحرب على الإرهاب ، مع ما يوازيها من خلافات عربية التي شكلت القاعدة العامة ، و تحولت إلى خصومة شاملة في مختلف الاتجاهات و الميادين ، فقد جاء في تقرير صادر عن صندوق النقد العربي و المؤسسة العربية للاستثمار أن الإنفاق الدفاعي العربي يشكل أكثر من 7% من الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول العربية ، قدر إجمالي الإنفاق العسكري للدول العربية مجتمعة بنحو 680 مليار دولار خلال الفترة ما بين 2000ـ 2002، أي بمعدل 75 مليار سنويا ، هذا التصاعد في السباق نحو السلاح و الصراعات البينية ، يقابله التوسل بالاختراق الأمني الخارجي ( حرب الخليج الأولى و الثانية و الحرب على الإرهاب حاليا )الذي يؤكد عمق الاختلال الأمني [8]  ، و الذي لا زال أسير الإنفاق خارج أي ضوابط تنموية [9]
  يميز ماكس فيبر بين نوعين من السلطة ؛ سلطة حداثية و تتمثل في الديمقراطية ، و سلطة تقليدية و لها وجهان ، كاريزماتي و تتأسس على قداسة الشخص ، و سلطة شمولية [10] ، تجسد ذاتها بالجمع بين مقومات القوة ـ العنف المادي و الرمزي منه ، إلا أن السائد في المسار التاريخي للدولة في المغرب هو الطابع العنيف أو ما يسميه العروي باليد الثقيلة للمخزن ، و لا أدل على ذلك من قصة طغيان الأشخاص و الأجهزة الأمنية في المغرب حسب ما تعكسه الذاكرة الوطنية في ملمحها الثقافي المعروف بكتابات الاعتقال السياسي [11] ، أو ما تمثله سنوات الرصاص الدالة على القمع و الترهيب و التسلط ، بغرض إنتاج و صناعة الأجساد الطيعة الانضباطية و الخنوعة ، دون الانضباط لأي قواعد أخلاقية أو قانونية [12] ، و قد ارتبطت هذه الأجهزة في تمثل المغاربة بإنتاج اقتصاد الخوف عوض الأمن ؛ إذ كانت السلطة تلعب دور المدعي و الشرطي و القاضي و السجان في آن معا ، بشكل تحول معه النظام السياسي عبر عقود إلى أكبر رمز لتهديد أمن المواطن المغربي من خلال ملاحقته و مراقبته من قبل أجهزة أمن النظام ، و لعل الانفجارات الدموية الكبرى محفورة في التاريخ الوطني منها الدار البيضاء مارس 1965 ، و يونيو 1981 ، و جل المدن المغربية سنة 1984 ، و فاس في دجنبر 1991، الإضافة إلى عملية قصف الريف ، و التي عرت على الواجهة " الديمقراطية " ، و التحكم المطلق للملك الراحل الحسن الثاني ، الذي كان يعد الأمن مجاله الخاص [13] ، يساعده في ذلك أوفقير في مرحلة أولى و الدليمي والبصري في مرحلة ثانية ، بحيث يمكننا أن نصنف الفاعلين في مستويات متعددة ، الأدنى منها يضم القائمين على مباشرة التعذيب ، يليهم الرؤساء الذين يصدرون الأوامر بالتنفيذ ، ثم المؤسسة الأمنية التي تصنع أولئك و هؤلاء ، و أخيرا النظام السياسي الذي يتبنى العملية برمتها ، و يقر بها منهجا ضروريا و صالحا للحفاظ على قوته و نفوذه [14] ، هذه الأجهزة مسؤولة عن 598 حالة وفاة على أقل تقدير ما بين 1956 ـ 1999 حسب هيئة الإنصاف و المصالحة ، علما أن القانون الجنائي المغربي حتى قبل تعديله ظل لا يوجب فقط على الموظفين العموميين ووكلاء السلطة و الأعوان و الرؤساء التبليغ بارتكاب الجنايات أو محاولة ارتكابها ، و إنما يعاقب على عدم القيام بهذا الواجب ، فالثابت في هذه الحالة أن موظفي و أعوان الأجهزة الأمنية و الاستخباراتية و الدركية و العسكرية لم يبلغوا عن القضايا الإجرامية و إنما قاموا بتنفيذها [15] ، و لعل الشهيد المهدي بنبركة و سعيدة المنبهي أكبر الدلائل المعبرة عن القمع الذي طال القوى الحية .

  تتكون منظومة الأجهزة الأمنية بالأساس من المديرية العامة للأمن الوطني و الدرك الملكي ، و المكتب الثاني و الخامس ( مخابرات عسكرية ) و الكاب 1 الذي تحول منذ 1973 إلى جهاز مراقبة التراب الوطني " الديستي " ( مخابرات مدنية داخلية ) ، و جهاز المديرية العامة للدراسات و المستندات " لادجيد " أي المخابرات الخارجية ، هذا الجهاز لا يخضع لأي رقابة سواء من الحكومة أو البرلمان ، و تبقى " لادجيد " خاضعة لسلطة القصر مباشرة ؛ بحيث لا يمكن للحكومة أو البرلمان مساءلة الأجهزة الأمنية ، و التي لم يحضر أي مسؤول منها للقيام بتصريح أو الجواب على أسئلة النواب في المجال الأمني [16] ، الأكثر من هذا أن وزارة الداخلية كانت تصنف باعتبارها وزارة فوق العادة و فوق كل الوزراء على امتداد أكثر من عقدين ، حسب ما تجسده مقولة " أم الوزارات " ، و ذلك بحكم إدارتها للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ، و لعل تصرفات وزيرها السابق ادريس البصري أكبر معبر عن طبيعتها ، يضاف إلى ذلك أن الميزانية المخصصة للأجهزة الأمنية غير قابلة للنقاش خاصة " لا دجيد " ، و التي تقدر حسب ولد القابلة ب100 مليار سنتيم [17] .

  إن استمرار اشتغال الأجهزة الأمنية بالنسق نفسه ، يحيل على الاعتقاد بضلوع الثقافة المخزنية في ترسيخ معيقات الانتقال و تأبيدها [18] ، لأن الإجراءات العقابية أو ما يسميه فوكو بالتكنولجيا السياسية للجسد ، لا تعمل على ضبط الجسم و التحكم فيه عن طريق العقاب ، و إنما تعمل على التأثير في العقل و إخضاعه ؛ فالجسد ليس إلا مدخلا يسهم في السيطرة على العقل مصدر الحركة و الحراك [19]، كما أن المستهدف من التعذيب ليس إرساء قواعد العدل و الإنصاف ، و إنما تثبيت السلطة و إدامة وجودها بالقوة ، و التلويح بالتعذيب تجاه من تسول له نفسه الخروج عن ربقتها [20] ، و تصنيف " المجرمين " حسب عرفها يتقدمهم المجرم السياسي باعتبارها مجرما ممتازا في الخطورة ، فهو الخائن و عدو الوطن ( ألم يسقط  ادريس البصري الجنسية عن المناضل اليساري ابراهام السرفاتي و حسبه برازيليا ؟) ، لا سيما في ظل التداخل بين مفهومي الوطنية و السلطة و التمازج بينهما .

   إذا كانت توصيات هيئة الإنصاف  و المصالحة تصب في اتجاه القطع مع الأمن ـ  القوة ، فإن الضرورة تقتضي الإقرار الفعلي لدولة الحق و القانون ، التي تعد  الضمانة الأساس و المرجعية الكبرى لصياغة نظام سياسي متصالح مع ذاته و تاريخه ، و منفتح بأفقه نحو المستقبل ، أي الارتقاء بالماضي من وضعية الميراث الثقيل الذي يكرس العبودية ، إلى مرتبة المرجع الروحي للحرية و منابع التشريع للمستقبل [21] ، من أجل بناء توافقات تاريخية أكثر عدلا ، تسمح بتوسيع فضاء العمل السياسي و ترسيخ آليات الممارسة الديمقراطية [22] ، فلم تعد السلطة في الثقافة الأمنية المعاصرة وسيلة للحكم ، بقدر ما أضحت وسيلة لتحقيق التنمية و الرقي بكل أشكالها الثقافية الاقتصادية [23] ، و لن يتأتى ذلك حسب هيئة الإنصاف و المصالحة إلا بترشيد و مراقبة السياسات و الممارسات الأمنية ، و توسيع اختصاصات البرلمان في المساءلة و الاستماع المباشر لجل القطاعات الأمنية في العدل و الأمن ، و جل المسؤولين المباشرين عن أجهزة الأمن و عمليات الردع وطنيا و إقليميا و محليا [24] فالديمقراطية ليست صناديق اقتراع و تصويت وتسويق إعلاني للحق في التصويت ، و إنما هي قبل كل شيء ثقافة الحق و القانون و التنظيم وفق مبدأ أسمى اسمه الدستور .

إلا أن هذه الرغبة على الأقل في التجربة المغربية ، لم تصمد أمام تنامي الخطر الإرهابي ، و تصاعد وتيرة الاحتجاجات ؛ حيث إن أحداث 11 سبتمبر 2001 ، و 16 ماي 2003، و مارس 2004، أعادت ضرورة هيكلة الأجهزة الأمنية و الاستخباراتية بشكل يمكنها من تجويد حربها الاستباقية ، و الحد من الخطر المحتمل ، هذا الهاجس يبطن تخوفا كبيرا من استثمار الخطر الخارجي و الداخلي باعتباره وسيلة للتضييق على الحريات و الشطط في استعمال السلطة ، يندرج في هذا الإطار قانون 03.03 الخاص بالإرهاب ، و الذي تم التصديق عليه في أجواء ما بعد الضربة الإرهابية في مدة و جيزة ليتم نشره بعد ذلك في الجريدة الرسمية بسرعة قياسية ، و إن واجه معارضة من قبل الحركة الحقوقية [25] ، و مما قد يبرر هذا التخوف ما أورده تقرير " ديك مارتي " عن تورط الأجهزة الأمنية المغربية في تعذيب متهمين أثناء الاستنطاق ، بتكليف من المخابرات الأمريكية [26] .

   إن الحرب على الخلايا الإرهابية و تفكيكها ، عادة ما تمت خارج الجهاز التنفيذي ، بالرغم من أن الخطاب الرسمي يعهد بهذه المهمة لرئيس الجهاز التنفيذي ، و هو ما يفتح الباب على مصراعيه للتأويلات الأمنية خارج الضمانات الحقوقية و الإنسانية ، بل إن وجود عدو خارجي ( الإرهاب ) ، يفرض الهتاف بصوت واحد ضده و الدعاء له في معركته المقدسة مهما كانت طبيعة التجاوزات ، و هذا ما يجعل من التنصيص القانوني و الدستوري مجرد حسن نيات ، لا ترقى إلى الثقافة الأمنية و الحكامة المرتبطة بها .

تفهم على هذا الأساس توصية هيئة الإنصاف و المصالحة ، الخاصة بترشيد الحكامة الأمنية بتوضيح المسؤولية الحكومية عن عمليات الأمن و ضمان الشفافية و تحديد المسؤوليات بصددها ، و تقوية الرقابة البرلمانية على الأداء الأمني و أجهزته و مسؤوليته ، و توضيح إطار و شروط  استعمال القوة [27] ، هذا دون نكران المنجزات المحققة على أرض الواقع ، ذلك أن المؤسسة العسكرية و أجهزة المخابرات منفلتة من وصاية و مسؤولية الحكومات المتعاقبة ، بل هي إلى اليوم خارج دائرة المراقبة الفعلية للمؤسسة التشريعية على خلاف باقي القطاعات ، و ذلك بدءا من احتكار المعلومة و مرورا بضبط التحولات الاجتماعية ، و انتهاء بترويض الفعل السياسي ، و موقعته كتابع للقرار الأمني [28] ، و إذا كانت الوثيقة الدستورية لسنة 2011 قد جاءت استجابة لامتصاص الحراك الاحتجاجي ، فإن اللافت أن هذه الوثيقة مبنية أمنيا على نزعة غير دستورية ، ما دامت الشرعية العسكرية تتم بعيدا عن نطاق السلطة التشريعية و التنفيذية و القضائية [29] ، و إذا كان التنصيص دستوريا على المجلس الأعلى للأمن ( الفصل 54 و ظهير 23 فبراير ) يندرج في إطار تحديث الجهاز الأمني ، و تفاعله مع التطور في طبيعة و نوعية الجريمة و التحدي المرتبط بتوجيه السياسات الأمنية و إعادة هيكلتها ، بما يتماشى و السياسة الأمنية الرادعة و الاستباقية ، فإن هذا التحديث لم يلامس جوهر العملية الأمنية التي لم تنفك عن العتاد و الخبرات العسكرية ، و ظلت " الحداثة " الأمنية في دور و فلسفة و وظيفة المؤسسة العسكرية بعيدة عن أي اعتبار [30] ، إذ أن وجود هذا الجهاز قد يشي ببداية تأسيس مفهوم الأمن القومي المغربي ، إلا أن هذا الأمل سرعان ما يخبو إذا علمنا أن المراجع الاستراتيجية للمغرب تقع خارج حدوده و اهتمامه ، فإطلاله على بعض النقط المفصلية على مستوى الملاحة و التجارة الدوليين ، لا يعني سيطرته عليها ، إضافة إلى منطقة الساحل الملتهبة إرهابيا ، و اجتزاء جزء من ترابه من طرف إسبانيا ، و الطموحات الاستراتيجية الجزائرية المتنامية ، تجعل المغرب وحدة أمنية غير محصنة ، لذلك العسكرة المفرطة و الإنفاق المتنامي عليها ، ليست ضمانا للأمن و الأمان ، و ليست تعبيرا عن الأمن القومي في أي بلد من البلدان .

لقد كان لتواتر الاحتجاجات التي وصل عددها عام 2012 إلى 17186 احتجاج بشكل يزيد ب 25 مرة على عدد الاحتجاجات التي وقعت سنة 2005 ، و التي لم تتجاوز 700 احتجاج [31] ، دور أساس في تعرية السلطة العميقة للمخزن ؛ ففي ظل التطور المسترسل للحركات الاحتجاجية ستنفجر واقعة إجبار مسؤول قضائي مواطنا على تقبيل حذائه في فبراير 2013 بمدينة ميدلت ، بل و تستمر ظاهرة إحراق الذات مع " مي " فتيحة بائعة البغرير القنيطرية ، احتجاجا على حكرة أعوان رجال السلطة ، و إحراق فتاة بن جرير لنفسها بعد تعامل السلطة الأرعن معها قضيتها ، بالإضافة إلى باشا تادلة ( صهر ادريس البصري ) الذي كانت سلطته تمتد خارج مكتبه ، مرورا بالتدخلات العنيفة في حق الأساتذة المتدربين لعل أشهرها " مجزرة انزكان " ، وصولا إلى طحن محسن فكري بائع السمك في الحسيمة في أكتوبر 2016 ، كل هذه المؤشرات تدفع إلى الاعتقاد ـ بالرغم من طابعها المعزول ـ بتحديث آلية القهر أكثر من الحكامة المنصوص عليها و الموصى بها من طرف الهيئات الوطنية و الدولية ، مما زاد من ارتفاع منسوب التذمر الشعبي سيما بين صفوف الطبقات المقهورة اقتصاديا و اجتماعيا ، و أبان عن اختلال بنيوي في المنظومة الثقافية و الحقوقية بالخصوص داخل الأجهزة الأمنية ، في وقت استطاع هذا الجهاز أن يؤكد على علو كعبه في ملاحقة الخلايا الإرهابية حسب ما تجسده حالة عبد الرحمان اباعود ، التي استطاعت فيها الأجهزة الأمنية المغربية أن تقدم الإضافة اللازمة لنظيرتها الفرنسية ، كما استطاعت تفكيك خلايا إرهابية منذ هجمات باريس الدامية ، بشكل دفع معهد " ستراجيك فوركاستينغ " أن ينوه بقوة و كفاءة الأجهزة الأمنية في تقريره الصادر في 20 أكتوبر 2016 ، و أن يحتل المغرب مرتبة مهمة فيما يخص الأمن و السلامة الشخصية ( المرتبة 44 ) حسب معهد ليغاتوم البريطاني [32] ، و استطاع المغرب على المستوى الإقليمي إفشال جهود الجزائر الرامية إلى عزله عن الصحراء من خلال إقامة تنسيق مع دول الساحل و الصحراء ، و ذلك لاعتبارات الصراع السياسي عبر " اتفاق الجزائر " ، الغرض منه ممارسة هيمنة عسكرية على دول المنطقة ، وممارسة الضغط السياسي على الاتحاد الأوربي و فرنسا و الولايات المتحدة الأمريكية ، لفك شفرة تعاونهم الاستراتيجي مع المغرب ، و تحييد دعمهم للمغرب في قضية الصحراء .

وفقا لذلك هل نحن أمام ازدواجية الفعل الأمني ما بين نجاعته الخارجية و استقوائه على المجتمع داخليا و تزايد يده الثقيلة ؟ و هل نوافق القول بأن النظام المغربي حسب مولاي هشام العلوي لا زال أسير مفاهيمه المخزنية التي حدت من إقلاعه السياسي  و الاقتصادي ؟ و أن دستوره الجديد لا يرسخ دولة حديثة و لا يقدم فصلا حقيقا بين السلط ؟ [33] .

   تنبني الحكامة و التنمية الأمنية على العديد من المقومات التي بإمكانها فتح الفضاء العمومي على قيم الاختلاف و الإدارة الجماعية للقضايا و الرهانات المجتمعية ، بعيدا عن الفلسفة الراقية في إهدار الزمن و الإنسان ، و التي لا تركن إلى تسويق و ترويج خطاب التجارة النصية ( أي الاعتداد بعلو الوثيقة الدستورية و مضامينها ) ، دون ربط النص برحابة الواقع و حيوية القضايا الإنسانية ، ما دامت القوة لم تعد مرتبطة بالعامل العسكري ، و إنما تخطته إلى التعليم و التكنولوجيا و اعتماد المعلومة و النمو الاقتصادي ، و الذي يمكن أن يعاق بالمفهوم المغلوط للسلطة ، و الشطط في استعمالها خارج السقف الأخلاقي و القانوني ، يقابله الغلو في التحكم و الاستقواء النابع من عدم المحاسبة و الإفلات من العقاب ، و إذا كان المشروع الأمني ( 2013 ـ 2017) ، مقبل على تكوين رجال الأمن في مجال حقوق الإنسان بالتدرب على الحكامة الأمنية ، بما تقتضيه من ترسيخ حقوق اللاجئ و القانون الدولي و الإنساني ، فإن الأمر يتطلب تغيير مستوى و درجة النظر إلى العملية الاحتجاجية ، باعتبارها تعبيرا عن الممارسة الحقوقية داخل الدولة ، وليس بالضرورة تمردا عليها [34] ، فلا يعقل في هذا المستوى أن يتوزع الإضراب معنيان ، حق المضرب و المتظاهر الذي يرتكز على التشريعات و المواثيق الدولية ، و حق المؤسسات الأمنية التي تعمد إلى تأويلها الخاص و المبهم بإيعاز من غياب القانون التنظيمي للإضراب ، يضاف إلى ذلك ضرورة إيجاد الصيغ الكفيلة بالضمانات القانونية القادرة على رفع الشطط في استعمال السلطة ، و تنفيذ الأحكام الصادرة في مواجهة الإدارة أو الدولة المغربية بكل أجهزتها و هياكلها ، و بالمقابل تمكين القضاء من سلطه التي تحمي الحقوق و الحريات .

[1] ـ حسان محمد حسان ، دور التربية غير النظامية في تحقيق الأمن القومي ، مجلة شؤون عربية ، ع 70 ، يونيو 1992، ص 41.
[2] ـ عبد المنعم المشاط ، الأمن القومي العربي في المرحلة الراهنة ، مجلة شؤون عربية ، ع 70 ، يونيو 1992، ص 22.
[3] ـ رفعت لقوشة ، مقدمة في إشكالية الأمن القومي العربي ، مجلة شؤون عربية، ع 70 ، يونيو 1992، ص 7 ـ 8 .
[4] ـ عبد المعطي محمد عساف ، أزمة الأمن التنموي العربي ، مجلة شؤون عربية ، ع 61، أبريل 1991، ص 29ـ 30.
[5] ـ محمد عبد السلام ، رؤية العلم و التقنية في تنمية الأقطار العربية الإسلامية ، مجلة شؤون عربية ، ع 61، مارس 1990، ص 13. يورد
   الدارس بعض الأرقام الدالة على حجم الإنفاق العسكري خلال الفترة الممتدة ما بين 1980 ـ 1985، بالنسبة للشرق الأوسط خصص للدفاع 18.7% و 6.2% للتعليم ،و 2.6% للصحة من ناتجها الداخلي الإجمالي .
[6] ـ رفعت لقوشة ، المرجع السابق ، ص 10.
[7] ـ منعم العمار ، المتغيرات الدولية و مستقبل النظام العربي ، مجلة شؤون عربية ، ع 81، مارس 1995، ص 140.
[8] ـ نفسه ، ص 139 ـ 138.
[9] ـ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي و المكتب الإقليمي للدول العربية تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2016، ص 30ـ31 خاصة الفصل 6
  و الي يعالج آثار الحروب و النزاع العنيف على الشباب .
[10] ـ حميد المصباحي ، السلطة و التسلط في العالم العربي ، مجلة نوافذ ، ع 19 ، ماي 2003، ص 45.
[11] ـ عثمان الزياني ، حفريات في الذات المغربية المقهورة ، مجلة وجهة نظر ، س 20 ، ع 62، خريف 2014، 29 .
[12] ـ نفسه ، ص 31.
[13] ـ عبد اللطيف حسني ، من مذكرات بعض القادة السياسيين المغاربة ، مجلة وجهة نظر ، س 20 ، ع 62،خريف 2014، ص 16ـ 17.
[14] ـ عثمان الزياني ، المرجع السابق ، ص 32.
[15] ـ ادريس ولد القابلة ، الأجهزة الأمنية في ظل ملكين ، الموقع الرسمي لديوان العرب ، على الرابط :
[16] ـ ادريس ولد القابلة ، المرجع السابق .
[17] ـ نفسه .
[18] ـ يؤكد الأمير مولاي هشام العلوي أن ارتباط الملكية بالمخزن يعد عائقا أمام التطور ، نقلا عن حسن مجدوبي ، لماذا فشلت الملكية تاريخيا ،
    مجلة وجهة نظر ، س 20 ، ع 62 ، خريف 2014 ، ص 11.
[19] ـ حسام السعد و رزان زيتونة ، دروب ما بعد المعتقل ، الموقع الالكتروني لمجلة مقاربات .
[20] ـ محمد حلمي عبد الوهاب ، الضحية و الجلاد : قراءة في بنى التعذيب و تقنياته ، على الرابط :
  www.alawan.org/spip.php؟ page = article§id=2057.
[21] ـ زهير الخويلدي ، الذاكرة السردية بين الزمان التاريخي و عدالة النسيان ، مجلة الأزمنة الحديثة ، ع 11، شتاء 2015، ص 10.
[22] ـ عثمان الزياني ، حفريات في الذات المغربية ، ص 30 .
[23] ـ حميد المصباحي ، السلطة و التسلط في العالم العربي ، ص 43.
[24] ـ أحمد الدرداري ، مفهوم الحكامة الأمنية : الدلالات و المقاربات و الأبعاد ، على الرابط :
[25] ـ حسن طارق ، إحسان الحافظي ، الإرهاب و القانون : التشريع الأمني المغربي لمكافحة الإرهاب ، مجلة دراسات عربية ، ع20، ماي 2016
   ص 12.
[26] ـ ادريس ولد القابلة ، المرجع السابق ، يذكر أن ديك مارتي سيناتور سويسري كلف بمهمة القيام بالبحث و التقصي بخصوص المعتقلات
   السرية المستعملة من طرف الأمريكيين خارج تراب الولايات المتحدة الأمريكية .
[27] ـ عبد العزيز النويضي ، مناهج و آليات تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف و المصالحة ، ص21، ضمن الموقع الخاص للمندوبية الوزارية المكلفة
    بحقوق الإنسان .
[28] ـ مصطفى الشافعي ، تفعيل التوصيات المتعلقة بالإصلاح الدستوري و السياسي ، ص35 ، ضمن الموقع الخاص للمندوبية الوزارية المكلفة
   بحقوق الإنسان .
[29] ـ محمد فال السباعي ، تطور شرعية التغلب في دساتير الدول الإسلامية ، مجلة أبحاث ، ع 61ـ 62 ، 2015، ص 121.
[30] ـ محمد فال السباعي ، المرجع السابق ، ص 115.
[31] ـ انظر جريدة أخبار اليوم ، ع 2128 ، ليوم السبت و الأحد 5ـ 6 / 11 / 2016 ، ص 11 .
[32] ـ انظر جريدة المساء ، ع 3129 ، السبت ـ الأحد 5ـ 6 / 11 / 2016 ، ص 1 .
[33] ـ حسن مجدوبي ، المرجع السابق ، ص 12ـ 13 .
[34] ـ حياة درعي ، تطور الحركات الاحتجاجية بالمغرب ، مجلة رهانات ، س 8 ، ع 31، 2015، ص 27.

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث