الأفكار السياسية لأبي القاسم الزياني من خلال كتاب الترجمانة ـ المولودي نور الزين

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

anfasse10028عرف المغرب ظروفا موضوعية، جعلت عدة أسئلة منذ القرن الثامن عشر(18) تطرح نفسها بحدة، من بينها التساؤل حول أهمية هذه المرحلة بالنسبة للعالم العربي عامة والمغرب خاصة: فهل بالفعل شكل الاندحار المغربي على جميع الواجهات نقطة تحول أفادت أن الاندحار ليس انحدار مجتمع عسكريا فقط أمام الأوربيين، بل إنه انحطاط حضاري شامل؟
لقد شكل هذا المعطي علامة هامة ليس داخل المجتمعات فحسب، بل حتى على الصعيد الفكري، سواء بالمغرب أو المشرق وإن كان لكل جانب خصوصياته وتاريخه الخاص. ذلك أن مصر وتونس والجزائر عرفت احتكاكا مبكرا ومباشرا مع المستعمر، أما المغرب فقد احتفظ حتى نهاية القرن 18 وبداية القرن 19 بمهابته التي خلقتها له معركة وادي المخازن، رغم ذلك فالعقال أصبح يضيق حوله بفعل الضغوط القوية مع نهاية القرن 19. من جهة ثانية فالمعطي صورة أخرى أفرزتها الوضعية العامة، فكانت مختفية وراء المقابلة بين طرفين متناقضين متنافرين بين عالم عربي إسلامي "دار الإسلام" لا حول ولا قوة له، أمام عالم أوربي متقدم يتباهى بكل مظاهر القوة والازدهار. في حقيقة الأمر كان الهدف هو محاولة استكشاف نتائج هذا التواصل المختلف الأوجه فشكل رد الفعل الهاجس الأكبر لهذه الأدبيات التي أرخت لهذه الفترة، لكن مع توالي الهزائم، جعل الوعي أكبر بمشاكل المجتمع المغربي، فكان أكيدا أن تتبلور نظرات تؤكد على تطور الآخر وتميزه بالمبادرة والقوة والاعتراف بأن الهزيمة هي حضارية قبل أن تكون عسكرية.

فأين يكمن رد الفعل ضد الآخر الذي اعتبر "كافرا" أكثر مما هو متحضر وقوي؟
في الحقيقة لقد تباينت الردود الصادرة عن عدة وجوه مختلفة تراوحت بين ضرورة الدفاع عن الدين وأرض الإسلام وهو اتجاه لم يع أكثر بواقعه، وآخر أقر بضرورة الاعتراف بالواقع ونهج طريق "المهادنة" و"حرب الضعفاء"، في حين هناك من لم يصدر عنه أي تعليق وهذا الاتجاه اندهش لأمره وبقي في حيرة لما وقع للمغرب فاستجد بالتصوف.


عرف المغرب ظروفا خارجية تمثلت في ازدياد الضغوط الأوروبية لمحاولة الحصول على امتيازات أكبر داخل المملكة، أضف إلى ذلك المواجهات التي أفرزت الضعف العسكري ضد الأسبان وفرنسا سواء في الشرق، الشمال أو السواحل. وأخرى داخلية تمثلت في الانهيار الاقتصادي للبلاد نتيجة الجفاف المتواصل المجاعات والأوبئة مما خلف حسرة لدى الشعب الشيء الذي انعكس على المستوى الأمني الداخلي حيث عرفت البلاد عدة انتفاضات وتمردات قبلية كانت تهدد من وقت لآخر السلطة، وأذكت أيضا حماس التنازعات حول الملك بعد وفاة المولى إسماعيل.

فكيف أرخ الزياني لهذه الوضعية، وما هي أهم الأفكار السياسية التي تناولها كتابه الترجمانة؟
أكيد أن المغرب منذ هذه الفترة يعرف تحولات عميقة، أثرت في مجرياتها بدون شك عوامل مختلفة أثرت على جميع مكونات المجتمع وخاصة أولئك الذين حظوا بمسؤولية التسيير، سواء السلطة المركزية وعلى رأسها السلطان وحاشيته، أو الفقهاء الذين لعبوا دورا أكبر عن طريق الفتاوي التي كانوا يؤيدون أو يرفضوا بها قرارات السلطان أو النخبة نظرا لعلاقاتها المتشعبة فيها بينها، وفي علاقتها مع السكان وتأثيرها على السلطان[1].

يعتبر الزياني نموذجا للشخصيات التي يمكن أن يشملها الحديث في إحدى الفئات السابقة لكنه تميز بالمعرفة الدينية والتجربة أيضا سواء على الصعيد الداخلي للمملكة أو في علاقتها مع الخارج بحكم قيامه بعدة رحلات في مهام رسمية كمبعوث للسلطان إلى تركيا.
ينحدر مؤرخ الدولة العلوية أبي القاسم بن أحمد بن علي بن إبراهيم الزياني من عائلة بربرية في جبال الأطلس المتوسط المستقرة بقبائل زيان كان لجده علاقات مع المولى إسماعيل حيث كلف في عهده بالإمامة. ولد الزياني بفاس 1734م/1147هـ، شكلت له فرصة ساذجة للدراسة بالقرويين، وتعلم المعرفة الدينية من قرآن وسنة وفقه وحديث… بدأ رحلاته الأولى مع والديه إلى الديار المقدسة وهو صغير السن، ومن خلالها اكتسب بعض التجارب خولت له معرفة المغرب أكثر فأكثر. بعد رجوعه من سفره وجد أصدقاءه جميعا في خدمة "المخزن". فكانت رغبته كذلك، رغم رفض والده. بداية مع السلطان محمد بن عبد الله، حيث استطاع فرض نفسه رغم صغر سنه[2] فعين في عدة مهام خصت تمثيل السلطان في المملكة فتولى الخلافة في نواحي مكناس([3]) بل إنه تقلد أيضا مهام خارجية خصت مهمته كسفير إلى السلطات التركية بإسطنبول في محاولة لتسوية الخلافات مع الجزائر([4]).
لم يكن الزياني "رجل سياسة فقط"، بل عالما، ومؤرخا ومحبا للعلماء وللخلفاء الذين يتشبتون بالعلم والدين، لقد خلف وراءه عدة مؤلفات لفترة القرن 18 وبداية القرن 19 من تاريخ المغرب كان أهمها:

-الترجمان المعرب عن دول المشرق والمغرب.
-البستان الظريف في دولة أولاد مولاي علي الشريف
-التاج والإكليل في مآثر السلطان الجليل
-الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا
-درة السلوك فيما يجب على المملوك.

ومؤلفات أخرى بطبيعة الحال كان من أهمها الترجمانة التي نحن بصدد معرفة بعض أهم أفكارها السياسية حيث جمع فيها أخبار ووقائع رحلاته إلى المشرق بل و أخبار المغرب أيضا على ما يبدو، كان هذا الكتاب كتتويج لأمر من الأمير مولاي سليمان([5]) لكنه وكغيره من باقي مؤلفات الزياني وآخرين عاصروه  جاء في وضعية عانى فيها المغرب الكثير، مما انعكس إيجابا على الصعيد الفكري. لكن الأكيد أيضا أن هذه الوضعية أعطت إنتاجات مختلفة وانطباعات عن رحلات قام بها المغاربة سواء إلى المشرق أو إلى أوربا، في وقت تصاعدت فيه المطالب الأوروبية لأجل الحصول على امتيازات أفضل تمهيدا للتوسع. عرفت المملكة وصول تجار وبعثات تبشيرية، يقول الناصري في الاستقصاء الجزء 9، ص 182 "… وفي هذه السنة (1883) اشتد حرص أجناس أجناس الفرنج على تنقيص صاكة الأعشار، وطلبوا من السلطان أيده الله أن يحط عنهم صاعة السلع الموسوقة التي كانت مسرحة من قبل. وأن يسرح لما كان متفقا قبل ذلك، وأبدأوا في ذلك وأعادوا وقاموا فيه وقعدوا".

ومن بين الظرفيات العصيبة التي عرفها المغرب أيضا تزايد التغلغل الأوربي في السواحل المغربية وعبر الحدود الشرقية أيضا، وفي الجنوب من قبل إسبانيا، ناهيك عن الأوضاع الداخلية المتأزمة اقتصاديا وأمنيا مع القبائل.

تحت هذه الأوضاع إذن وصلتنا مؤلفات الزياني "كدرة السلوك فيما يجب على الملوك" أو "الترجمانة الكبرى…" لنتساءل عما هي أهم الأفكار السياسية التي انبثقت من تاريخ المغرب لتجد مكانها داخل الترجمانة رغم أنه كتاب جد أدبي تملأه أخبار الرحلات إلى أقطار مختلفة وإن كانت النصوص السياسية قليلة جدا ولا تنبجس إلا في فترات قليلة.

على غرار باقي العلماء الذين تلقوا تعليما "تقليديا" يعتمد على مناهج كلاسيكيا في التلقي والقرآن كمرجع أساسي، فكان من الواضح أن يطبع فكره سواء على مستوى الإفادة أو السرد أو التعليل أو حتى الاستشهاد.
بطبيعة الحال لم يكن من الصدفة أن نجد آيات قرآنية وأحاديث نبوية تؤكد قول الزياني، على أهمية وحدة الدولة وتنديده بالبربر، الذين يشقون عصا الطاعة على أولي الأمر.
من الضروري إذن التأكيد على أهمية  السلطة السياسية لتقوية وحدة البلاد.

I - القوة والعدل كأساس للسلطة:
كيف يمكن للزياني أن يوفق بين تناقضين: سلطة قوية  سلطة عادلة
1 - سلطة قوية:

 كانت الظرفية التي عاشها الزياني تتسم بكثرة المناوشات داخل المغرب بين القبائل وكان سيدها بدون شك: القبائل البربرية على اعتبار الجهد الذي كلفوه للمولى إسماعيل في تثبيت ملكه في المغرب، قبائل لا تلين باللطف بل بالسيف والعنف يقول الزياني: "وحاربوا الوطاسيين من بين مرين إلى أن غلبوهم على ملك المغرب… وادعنوا الطاعة وصاروا من جملة القبائل الغارمة،… وغلب السلطان مولاي إسماعيل  منهم على أهل المغرب عربهم وبربرهم، باستعمال العسكر… وقد بلغ عددهم مائة وخمسين ألفا، فاستراحت دولة العلويين من عبث البربر نحو خمسين عاما إلى أن مات المولى إسماعيل…، وساءت أحوال المغرب معهم إلى أن رحمهم الله بولاية السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله، فساسهم بحمله وبحزمه… ولما بويع ولده أمير المؤمنين مولانا سليمان ملك وقتنا أبقاه الله، ساسهم سياسة والده بالرفق والحلم والإضاء عن هفواتهم، فأطغاهم حلمه، وأفسدهم عدله، ولم يرهف لهم جدا."

فعلى مدى تاريخ طويل يطرح التساؤل حول أهمية السلطة المركزية إبان الدول السابقة للعلويين أمام هذا التعنت الكبير للبرابرة ورفض محاولة العيش معا في ظل حكم واحد مع العرب لكن الغريب أن الزياني عندما يؤكد على حال البرابرة لا يلجأ إلى أي استشهاد قرآني لأجل دعوتهم إلى الوحدة وطاعة أولي الأمر، إلا أنه بالمقابل ذهب إلى انتقاد ابن خلدون عندما ذهب إلى مدح هؤلاء باعتبارهم يتحلون بأخلاق فاضلة وتنافس في الخلال الحميدة.
فحركة المولى سليمان على البربر عام 1234هـ لم تجد أي سند قرآني أو حديث نبوي بل اكتفى أبو القاسم بالخطر الذي يهدد السلطة من خلال النزاعات المتكررة بين القبائل ورفض النخبة مبايعة السلطان مولاي سليمان خاصة بفاس فإذا فهمنا من كلام الزياني السابق ذكره إلى أهمية القوة لتركيز السلطة فإننا نفهم أيضا إلى تناوب في تاريخ المغرب مرة مملكة موحدة مجتمعة على أمرها ومرة أخرى مشتتة، تنخرها الانقسامات القبلية، في المرة الأولى يسود الأمن والسلم وعكسها يسود في المرحلة الثانية.

هذه الحالة الأخيرة أثارت اهتمام جل الباحثين المغاربة، لذا أتت لنا الترجمانة بمواضيع هامة لكن المهم  من هذه الحالات وإن عرفنا أسبابها هو عندما نتطرق معا إلى وصية عبد المومن لولي عهده حول كيفية معاملة العرب والبربر كمكونين لسكان المغرب، سواء اختلفت الوسائل أم تشابهت فإن الهدف هو الحفاظ على السلطة أو على وحدة المغرب. فالمال يكسب العرب وبالسيف نكسب البربر، فهل هذه دعوة غير مباشرة من خلال الترجمانة من المؤرخ لسلاطينه لاستعمال هذه الطريقة أو لنقل بالأحرى هل هي طريقة ديكتاتورية في تسيير الحكم ما دامت تعتمد على حيل ووسائل تذكرنا بمقولات ماكيافيل؟

ما أساس الارتباط الأخلاقي بالفكر السياسي الإسلامي؟

وأي اعتبار يمكن أن نعطيه مثلا للأساس الديني للخلافة؟ فإذا كانت الطاعة واجبة فالمشورة أيضا، لاجتناب التعسف في الحكم، فما الداعي إلى هذه الأسباب التي جعلت المملكة تعيش هذه الأوضاع، أيكون تطبيقا حرفيا للشريعة أم العكس؟
إن مسألة شق الطاعة على أولي الأمر تتوجب إذن تدخلا قويا للسلطان للحفاظ على الحكم والدولة والخلافة([6]) لأجل قيادة الناس على الرغم من ذلك فالترجمانة، تؤكد لنا نصوص قرآنية وأحاديث وحوادث تدعو السلطان إلى الاعتدال في الحكم، إن الهاجس الأساسي يظل هو تقوية الحكم، لربما ظروف المغرب لعبت دورا كبيرا في التأثير على أبي القاسم، لكن ذلك لمن ينسي عالما دينيا تعاليم اتجاه الرعية.
الغالب أن الترجمانة تأتينا بنصوص حول نوعية الحكم وخاصة الخلافة([7]) هذا راجع لرحلات مؤلفها، لكن الأكيد، إنها ترزخ تحت تأثير الفكر الإسلامي، فالخلافة الغير المحددة قد تجد لها سندا عند الزياني على اعتبار المعارضة القوية التي شكلها البربر للملوك العلويين.

2 - سلطة عادلة:
عرفنا إذن أهمية القوة في ترسيخ الملك([8]) لكن الإيمان الراسخ بهذا المبدأ لم يأت عبثا، بل كانت وراءه الظروف الموضوعية التي يعيشها المغرب (ثورات، عصيان، حرب أهلية، تكالب الأطماع الأجنبية عليه…) مما شكل دافعا أكبر للزياني لكي يومن بموقفه هذا. الشيء الذي جعله يسقط في وضعية حرجة.
فمن جهة بوصفة عالما يعرف جيدا فإنه لن يغفل أوامره اتجاه الرعية، فكيف سيوفق إذن بين العدل والقوة. ومن جهة أخرى فالزياني أثار اتجاهه الشطوط حول فحوى هذا التأييد من أن كان يريد فعلا بقاء الأسرة المالكة في وضعها وبالتالي الحفاظ على مصالحه.
فالهاجس الكبير لأبي القاسم هو الضعف الذي حدث للدولة، فالحاجة ملحة لملك قوي يستطيع درء خطر التفرقة الذي أشعل فتيله نخبة فاس والقبائل البربرية، وبالتالي إنقاذ واقع المملكة، فإذا لو يذهب بعيدا في مؤلفه إلا أنه اكتفى بتجريح وقذف وشتم معارضي السلطان فبرغم ذلك فقد أعطى لسيده وأميره أمثلة قادمة من خارج المملكة تؤكد على عدم أخلاقية العمل السياسي([9]) الأكيد أنه لا ينصحه بذلك، لكن غايته هي توحيد المغرب حول كلمة السلطان والهدف الخفي -الحفاظ على الحكم-.
في نفس الوقت لا تعطينا هذه التحفة أي حديث عن مكانة المواطن بشكل مباشر، فالرياسة تستدعي الشورى، لكن هل هي ملزمة للأمير؟ ما موقع الرعية إذن؟ فهل هيمنة النخبة ما هي إلا ضمانة ضد تعسف السلطان. أم أن الأمير تتحكم فيه مصالح محددة تضيع من خلالها الرعية؟
لن نكون متسرعي الجواب، إذا أخذنا الموقف المتحيز للزياني لجانب السلطان.صحيح؛ أهمية أولي أمر شيء أكد عليه الدين، لكن هذا الأخير يدعو إلى إصلاح الدنيا أيضا بواسطة العدل وليس بالضرورة عبر ثوارت الملك، بل عبر الشورى، فهل كان لثورة نخبة فاس حس طالبوا من خلاله بتقييد الملك المطلق؟ يجيب اشرعي أحمد أن العلاقات الشخصية بين السلطان والنخبة كانت جد متوترة. كذلك فهذا الفكر بات بعيدا ليعزو في هذا الوقت المبكر النخبة الفاسية التقليدية التكوين.
من جهة أخرى، فدوافع الزياني هي التي فجرت عليه انتقادنا السابق، فالهاجس الأساسي هو إصلاح المغرب من الصراعات التي تنخره ربما تفادى مناقشة الموضوع بدقة.
لكن على أي حال فوضعيته لا تخول له تناول هذا الموضوع، أضف إلى ذلك أن الترجمانة لا توحي لنا بأي نص في هذا المضمار، فالملك هو السلطان، أمير المومنين، حامي الدين والبلاد في نفس الوقت، فمن ثمة فتسيير أمور المسلمين لا يفرق بين الدين والدنيا، ما دام حماية الوطن "أرض الإسلام" هو الهدف.

ما فتئ بذلك الزياني يؤكد على طاعة أولي الأمر لا لشيء إلا للحفاظ على "النظام السياسي" والدين الإسلامي باعتبارهما أساسا لتكون أي دولة ولذا فإن مآزرة هذين العنصرين تستدعي أن اقتضى الحال القوة والعنف([10]) وإن كانت الترجمانة لا تأتينا بنصوص قرآنية أو أحاديث كثيرة فإن الواقع يؤكد أن الزياني له خلفيات دينية أكبر وأن الاستشهاد بالواقع العملي لا يأتي إلا لتعزيز النصوص الدينية.
إن أهمية القوة قد تنعكس بالسلب على الدولة إذا لم توضع لها حدود، فمن جهة فهو يحتار كيف نضمن للسلطان دولة قوية بدون أن يكون جائزا ويتعسف على حقوق الرعية، عادلا كما يدعوه الله إلى ذلك([11]) وضامنا لدينه، لعرشه ولرعيته، يبدو وكأن الزياني يوجد بين تيارين متناقضين لا يعرف لمن يدير وجهه مرة لصالح السلطان ومرة أخرى يريد رفقا بالرعية وكأنها نبرة بداخل فكرة تعبر عن البوادر الأولى لتحديد الملك المطلق، وبكل حال فإنه يوصل لنا دعوة تعبر عن أهمية تدبير الملك بدون الشطط في استعماله، فلم يستطيع رغم ذلك تجاوز الجانب الأخلاقي رغم دعوته إلى استعمال الجيش ضد معارضة السلطان، وفي نفس الوقت يجدر بنا التساؤل لماذا لو يوجه الزياني الدعوة مباشرة للسلطان وبضرورة العدل في حكمه مع أنه ينصحه في ترجمانته  باستعمال القوة ضد القبائل الثائرة؟ كما أردفنا سابقا فإن مثل هذه الأجوبة أتت بصفة غير مباشرة موجهة للسلطان عبر حوادث مختلفة في بلدان زارها الزياني، فهو يؤكد مثلا أن الحيوان له مقام يليق بأن يحكم بالعدل عبر قصة "جزيرة القرود لهم ملك يحكم بينهم بالعدل"([12]) فرجوعه إلى الأسطورة بدل الكتاب والسنة، على الأقل في ترجمانته له مبرراته، لكنه يكشف أيضا عن مثالية زيانية توخى صاحبها فكرة دولة عادلة طوباوية.

يبدو أن هذه الأفكار لن يكتب لها النجاح فهي أتت في وقت قد فات أوانه، فأهل فاس خلعوا بيعة المولى سليمان وجيشه ضعيف أمام القبائل الثائرة وعاجز عن تحرير الثغور، بل إنه غير منظم يثور هو نفسه ضد قيادته وينهب الشغب، فكيف يمكن أن نتكلم عن ظروف مجتمع عادي في مثل هذه الحالة قد تسمح بترسيخ أوامر السلطة المركزية.
إن طاعة أولي الأمر من قبل المجتمع لا تستوجب فقط العدل بين الرعية أو حتى عدل هذه الأخيرة. بل إن الترجمانة تأتينا بنصوص تلح على ضرورة "فعل الخير والنهي عن المنكر"([13]).

II - موقع السلطان والنخبة:

لعبت الأوضاع الداخلية للمغرب في نهاية القرن 18 وبداية القرن 19 عاملا مهما في توجيه الفكر الزياني واتخاذه لموقع واضح من صراع السلطة المحتدم بين الأطراف الفاعلة داخل المملكة. فضعف السلطان وازاه تعنت النخبة الشيء الذي حال دون التعاون بين الطرفين ضد الأطماع الخارجية.
تنافر الجانبية:
شكلت الحاجة إلى استقرار سياسي أهمية كبرى في التعايش بين مكونات المجتمع في عهد المولى سليمان. لقد أكد الزياني أكثر من مرة على العلاقة الغير الحميمية بين الحكام والمحكومين، ومن ثمة على تشاؤمه من انقلاب الأوضاع داخل المملكة، فالرعية أصبحت تتحكم في السلطة وتلجأ إلى العنف وتحريض بعضها البعض، والأهم من ذلك الدور الذي لعبته نخبة فاس في هذا الوضع نتيجة الطمع في السلطة والحسد بين العلماء في تسلق المراتب السياسية حيث شكل خلع المولى سليمان من طرف نخبة فاس انحطاطا أخلاقيا اتجاه الأسرة المالكة([14]).
فمن خلال نصوص الترجمانة([15]) توحي لنا، لوم الزياني أيضا على ضعف السند الاجتماعي للفئات المعارضة، وإن كان لها أساس يرتكز على العصبية والانتهازية والتبعية في تأدية أدوار حاولت من خلالها الحصول على مساومات تخول لها مصالح أفضل وأكبر داخل المجتمع المغربي. يقول أبو القاسم: "… ما عليه عامة أهل فاس عربهم وبربرهم من حقارتهم وحطهم لهؤلاء المسلمة الذين يسموهم البلد…"([16]).
هذه الحالة دفعت الزياني إلى التفكير في حلول عملية لتفادي هذه المشاكل كانت لأهمية القوة عاملا كبيرا في فكره لكن الخوف من التعسف، وأمام ضعف جيش السلطان جعلاه ينظر إلى حلول أخرى. فما هي أهمية الرسالة التي بعثها المولى سليمان إلى أهل فاس؟

فهل كان من ورائها مشاركتهم في الحكم أم تهديدا لهم؟
قد يكون الجواب سهلا إذا ما أدركنا رد الفعل الذي خلفته هذه الرسالة لدى أهل فاس، حيث رفضوها رفضا كاملا بل أن إفرازات فتوى  الخلع التي صدرت عنهم تعتبر في نظر الزياني غير شرعية وموجبة للحرب على نخبة هذه المدينة([17]) التي أعلنت العصيان ضد السلطان.
إن أهمية التساؤل حول طبيعة الرسالة التي أكد الزياني أنها كانت لأجل "الإشارة والنصيحة" مهمة، بغض النظر عن إجابة أهل فاس، لذا فهذه النقطة تطرح علينا إشكالية الشورى في الإسلام.
أكيد أن الزياني يلح على أهمية السلطة الزمنية "الملك" لأجل حماية الشعائر الدينية والثقافية للإنسان وإلا فسدت الأرض ([18]) أضف إلى ذلك أن حقوق المسلمين ومصالحهم الدنيوية والدينية مرتبطة بحياتهم أولا، هكذا يجب على دينهم كدنياهم. لكن هل يجب تسيير هذه المصالح فرديا أو جماعيا؟

إن التطور الذي شهدته الأفكار السياسية حاليا لا يمكن للزياني أن يتصوره، على اعتبار أولا -إنه ليس إسقاط فكري- بل لأن تكوينه الثقافي لن يسمح له، ثانيا لأن أبي القاسم متحمس لكفرة التضامن الاجتماعي وحسن النية، وتحمل مسؤولياته وتعهداته لأجل الوفاء بها أمام السلطة الزمنية والروحية ولكن أيضا بانتمائه للجماعية الإسلامية فهو يفكر في "التعاون"، "التكافل" بل وطريقة أخرى للحكم الجماعي عن طريق "الإخلاص وحسن النية في القيام بالمسؤوليات والمصالح العليا المقدسة للجماعة".
فما هو موقع الزياني إذن؟ لقد شكل الزياني بعمله في البلاط السلطاني أهمية كبرى، لذلك لم يتوان السلطان في التأكيد على أهمية عمله والعفو عنه كلما ترك البلاد إلا أن الزياني وصل إلى قناعة أن العمل السياسي يخالف الأوامر الدينية تماما لذلك "نسأل الله العصمة والسلامة من ظلمات الجور بمنه وكرمه"([19]). ذلك أن العمل السياسي يسوده "النفاق، الخداع والتملص من تحمل الأعباء التي تفرضها الجماعة"(23) فهذا الميدان مليء "بالحسد والطمع"([20]) نظرا "لفساد النخبة".

فهل إذا صلحت النخبة زالت هذه الأمراض؟
لا نعتقد ذلك، فالقطيعة التي شكلتها، سواء القبائل البربرية أو النخبة الفاسية أو حتى عدم انضباط الجيوش السلطانية، إنما هي تعبير واضح عن التفكك القوي في نظام الحكم داخل المملكة.
كان من الطبيعي بحكم مهامه وقربه من الأمير المولاي سليمان أن يتخذ موقفا لصالحه، حيث برأ ذمته من الأوضاع التي تعرفها المملكة ذلك أن الجور والخيانة الصادرين عن الفئات التي تمثل المخزن في الأقاليم أو حتى داخل العاصمة، هذا ما أكده أحمد اشرعي مستشهدا بقول للزياني: "لا وزير صالح يعتمده ويعينه، ولا أمير صادق يدمغ المبطل ويهينه ولا قاض عادل تأخذه في الله ولا في الحق لومة لائم، ولا يحوم حوله حاتم بالدينار أو الدرهم… ولا يتبع القواعد التي "قررها"… فبقي أعانه الله بين القوم فردا فريدا وإماما وحيدا في زمن علماؤه لصوص وتجاره عن الصدق نكوص وسفهاؤه كالبيان المرصوص…"([21]).
فالزياني يذكر معاصريه إلى ضرورة الوفاء والإخلاص للدين والسلطة؛ والسمو بالجماعة الإسلامية فوق متمنياتهم ومصالحهم الشخصية الإنسانية سواء تلك المتعلقة بعرقهم أو سلالتهم أو وضعيتهم الاجتماعية أو مذاهبهم السياسية لذا يجب إذن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فهذا لا يكشف إلا حقيقة هيمنة النخبة وقوتها بموازاة الضعف التي شمل المركز وعدم قدرته على الانتشار بأرجاء محيطه وفرض سيادته عليها خاصة بفاس المقر التقليدي الذي تستمد منه السلطة شرعيتها.

أكيد أن الواجب الجماعي يفرض نفسه على صعود الفردية والتعنت عندما تكون مصالح الجماعة مهددة. هكذا تضحى الرعية تحت رحمة الجيش، لكن استعمال هذه الإمكانية لا يمكن أن يأتي بنتيجة من قبل سلطة لا تتمتع بالشرعية ولا بالقوة الكافية.
يجعل الزياني المسؤولية قائمة أمام الجميع سواء من قبل الحكام الطاغين أو المحكومين الثائرين من النخبة الحاملة للسلطة المحلية والسلطة الدينية، بل وأيضا العلماء.
فما موقع هؤلاء في الجماعة الإسلامية؟

موقع العلماء:
بدون شك باعتبار الزياني أحد العلماء داخل مغرب القرن 18 وبداية القرن 19 بات لازما عليه أن يحدد مكانته ومسؤولياته على غرار أصدقائه. لهذه الغاية ليس من المستبعد أن يلجأ إلى إرثه الثقافي الذي يغلب عليه الطابع الديني واستشهاده بالآليات القرآنية والأحاديث النبوية([22]) باعتبار العالم وريث النبوة المحمدية وحامل الرسالة القرآنية، يشكل أيضا لامتياز يخول له مرتبة عليا في جماعة المسلمين باعتباره يتعالى فوق الفرد العابد ومن جهة أخرى باعتباره الحارس القوي على حوزة النظام السياسي والديني التي تعتبر الركيزة الأساسية للحياة الاجتماعية لأعضاء الجماعية الإسلامية.
هذه الفرضية تبين أهمية مكانة العلماء ومدى تأثيرهم على الإنسان العابد، لأجل إنشاء مجتمع عادل.
يبدو إذن أن العلماء لهم دور أكبر في التأثير على المجتمع وهي مهمة كانت للنخبة فاعلية كبيرة داخل المجتمع المغربي.
فهل هذا يعني أن العالم أمام فشل السلطان له الصلاحية في تغيير الجميع، أم أنه من الواجب على السلطان أن يكون عالما. اتجاه لمسناه مع الزياني إبان رحلته للجزائر عندما سئل عن حال المغرب مع السلطان المولىاليزيد، فساء أبو القاسم لهذا الحال وحمد الله على أحوال المغرب مع المولى سليمان أو من قبله مع محمد بن عبد الله العالم المصلح الذي اهتم بعلوم الدين والحديث أو المولى سليمان الذي شجعه على العالم وكتابه ترجمانته بما فيه خير نشر الدين والمعرفة، لكن ما أهمية العالم الحاكم إذا لم تكن له القدرة على بسط سيادته؟
ترجع المبادرة إذن إلى باقي العلماء في توطيد علاقات أحسن مع الرعية لبسط نفوذ السلطة الشرعية، لكن ألا يغدو أن تكون هذه النظرة موجبة لأن يكون العلماء في خدمة السلطان؟

سواء هذا الأخير أو العلماء لهم دور مشترك في خدمة الجماعة الإسلامية.
وهذا لم يعهد من فقهاء فاس الذين ذهبوا إلى خيانة مهمتهم وأمانتهم اتجاه الدين والأمة والسلطان، رغم أنهم لم يشكلوا يوما أسياد المملكة أو حتى المعارضة التي أثاروها فكونت بالفعل حربا أهلية، لن يحلها اختيار إمام آخر محل المولى سليمان على حد تعبير الزياني([23]) بل لقد ذهب إلى اعتبار أن هؤلاء الفقهاء ليست لهم مرتبة العلماء داخل النظام المؤسساتي لأهل الحل والعقد.

 فالوظيفة الأساسية إذن لهؤلاء تكمن في تشاركية بين العلماء والأمراء لأجل تسيير أفضل لشؤون الجماعة الإسلامية.
على أي لقد ذهب الزياني بعيدا في تجريح علماء فاس وأنذر معاصريه الآخرين بأهمية المسؤولية الملقاة عليهم لأجل خدمة الدين وأحوال الأمة وملء الفراغ المؤسساتي الذي خلفه ثقل هؤلاء على الرأي العام المغربي من جراء فتوى الخلع. ومن ثمة استرجاع مهابة السلطان عبر سلطة العلماء.
هل هذه التشاركية إذن سوف تجعل العلماء في محل لأولي الأمر أم أن هذه المهمة تبقى حكرا على السلطان والعلماء تبقى لهم مهمة إضفاء الشرعية عليه أم تتعدى ذلك بمراقبته؟
الأساس أن الزياني يتعارض في بعض الأحيان فبحكم مهامه فهو مؤيد مخلص للملك لكنه يخاف من الطغيان والجور "المعصية" وبحكم مكانته كعالم  يلح على أهمية هؤلاء في إصلاح أوضاع الأمة. والعلماء ممثلين شرعيين ووحيدين لإرادة المحكومين في إطار "أهل الحل والعقد" مما يوحي بإيمان قاطع بأن أبا القاسم يومن بشرعية الشورى على اعتبار أنها ضمانة ضد الخطأ والانحراف لأجل إيجاد حلول لأزمات السلطة الزمنية.
-فالشورى إذن باعتبارها مشاركة الأطراف المعنية لأجل تقرير مشترك في شؤونهم الخاصة.
-أو أنها مجرد طلب معرفة الرأي في مسألة معينة.
لن تعدو إلا أن تكون إلزامية على الملك([24])، بالمقابل فإن الرعية والعلماء ملزمين ببيعة السلطان أمير المومنين، باعتبارها عقد ولاء يحدد العلاقات بين الموضوع والملك الممثل للسلطة العليا بالمملكة([25]). رغم تأكيد الزياني على أهمية هذه النقطة لما فيها من خير لأمة المسلمين إلا أنه يتشبث بمواقف محددة تنحو إلى ترسيخ فكرة ضرورة إمامة الملوك العلويين على اعتبار انتسابهم إلى الشجرة النبوية الشريفة([26]).
-أولا ما دامت بيعة الأمير مولاي سليمان فهو كذلك، من جهة أخرى حاول أن يجعل نخبة أهل فاس الذين خلعوا السلطان "كالخوارج والمعتزلة" الذين طالبوا بالخلافة خارج فروع النسب النبوي الشريف، وفي آخر المطاف إخراج علماء وفقهاء فاس من الجماعة الإسلامية وبالتالي إضفاء شرعية مطلقة على السلطان وتبرير حربه ضد أهل فاس([27]).
خلصنا إلى أن الزياني تشبث بالإمامة داخل الدولة العلوية لبناء دولة قوية نتيجة خيانة القبائل والنخب، إلا أنه مع ذلك لم يشأ أن يبحث في الجذور الخلفية خاصة، الاجتماعية، الفكرية بل والاقتصادية أيضا التي أدت. إلى هذه الوضعية، كما لم يتطرق إلى ظروف المغرب الخارجية بتاتا في وقت أصبح المغرب في وضع جد محرج.

III - الترجمانة والواقع:
أعطت الترجمانة كأحد مؤلفات الرحلات واقعا مغربيا داخليا ممزقا، اتخذ من خلالها المؤلف موقفا معينا في مناقشته للأزمة المغربية بل إن أدب الرحلة الخاص الذي جاء به الزياني لم يكن في المستوى المنتظر منه.

أيديولوجية الكتاب:
إن التأكيد على ضرورة الملكية العلوية الشريفة، من خلال انتقاد المعارضة، ومنح الثقة الكاملة للمولى سليمان، عن طريق البيعة من دون مناقشة. يجعل محل التساؤل غياب برنامج قار وموحد للإصلاح سواء من ناحية السياسة الاقتصادية، الاجتماعي والثقافية أيضا لمجتمع بدأ يعرف تحولات نتيجة عوامل داخلية وخارجية متباينة.
هذا الغياب كان في الغالب نتيجة ظروف داخلية طغت على أهم الأفكار السياسية التي أتت بها الترجمانة، فلم يترك الزياني الفرصة تمردون الهجوم على المعارضة، دون انتقاد السلطة المركزية التي تلجأ "للرفق والتشاور مع أهل فاس".
يبدو أن هذا الموقف يرسخ اتجاها معينا يساير التوجهات الرسمية وذلك راجع بالأساس إلى مكانته داخل القصر السلطاني، من جهة ثانية حمل أبو القاسم مسؤولية تدهور الأوضاع الداخلية للمملكة لجميع الجهات: النخبة، الزوايا، العلماء، القبائل، ممثلي الحكم المركزي بالأقاليم، القضاة…
من جهة أخرى اعتبر كاتبنا أن الزوايا محل العلم أصبحت محلا للتطرف الديني، لذا شكلت الأسرة العلوية الشريفة المنحدرة من الشجرة النبوية والمذهب المالكي علاجا للتناقض الديني أو بمعنى آخر إن أحقية الحكم لا يمكن أن تذهب إلا للأسرة العلوية.
لقد اعتمدت الجماعات الدينية أهدافا إيديولوجية لخدمة مصالحها([28]) فهي حسب رأيه لن تعدو أن تكون خارجة عن إرادة الله والجماعة الإسلامية المغربية([29]) مما شكل تهديدا واضحا للسلطة الشرعية المتمثلة في "إمارة المومنين" العلوية.
هل يمكن تفسير وضعية المغرب ببروز عصبيات أخرى؟
الأكيد أن الزياني أهمل عوامل أخرى على غرار الأسباب الحقيقة خاصة تأزم الأوضاع الاقتصادية بالمملكة.
لم ينظر قط إلى بروز المذهب الوهابي أو الحركات التيجانية بالمغرب كنتيجة لذلك بل رآها على أنها تخفي مصالح السيطرة على الحكم بل ذهب إلى اعتبار أعمالها السيئة و"شيطانياتها"([30]) باعتبار مكانته داخل البلاط السلطاني، قد نفسر أن مصالحه تحتم عليه هذا الاتجاه نتيجة التنافس حول المناصب، لكن ألا يعدو الاتجاه الوهابي بالمغرب العربي أن يكون داعية للإسلام وخاصة وأن أكسوس والناصري أكدا على مطابقة هذا الاتجاه الديني للإسلام عند حجمهما، فذهبا إلى مخالفة رأي الزياني بهذا الشأن.
من ناحية أخرى يمكن التأكيد أن الزياني استفاد من مقدمة ابن خلدون وإدراك بالفعل أن الدعوة الدينية هي الأساس لتزاوج الدعوة بالعصبية تعد محاولة تحقيق الشروط الضرورية لاكتساح المجال.
هل يشكل هذا الموقف من قبل كاتبنا تصفية حسابات مع محتوى المعارضة لأجل إخراجها من "الجماعة الإسلامية".
أعطتنا الترجمانة صورة ثنائية عبر من خلالها أبو القاسم عن نسق عالمي بدأ يعرف تحولات عميقة أصبح للقوة فيه محل كبير، كمحور للتعامل بين القوى العالمية.
هكذا تدخل الزياني لدى حكام المغرب عند الأتراك لحفظ سيادة المملكة أمام التدخلات المتكررة للجزائر بل وتوسط لدى ملكه المولى سليمان لتقديم معونات حربية لصالح تركيا في حربها ضد روسيا.
لقد اشترك المغرب والمشرق في صورة واحدة تؤكد تورطهما داخل نسق أوضاع متشابهة وهي الرضوخ تحت وطأة التدخلات الأوروبية.
أعجب الزياني بالتطور الكبير في الميدان الإداري الذي عرفه المجتمع العثماني خاصة على مستوى الجيش، العلماء…
لكن الغريب في الأمر أن كاتبنا لم يؤكد على أي حل يقترحه لفك أزمات المملكة(*) وباستثناء المبايعة الغير المشروطة للملوك العلويين، تبقى المملكة متخبطة في أزماتها الاجتماعية والاقتصادية، ذلك ما يبرر عدم حضور التفكير الاقتصادي داخل الفكر السياسي المغربي في هذه المرحلة، لقد كان اهتمامه منصبا على كل ما هو أمني، فصلاح البلاد رهين بوفاء الرعية.
 
[1] - "النخبة والسلطة عند الزياني في بداية القرن 19" أحمد أشرعي ، مجلة أبحاث، ع 20، ص 15.
[2] - Levi Provençal: les histoires des chorfa, Edition Larose - Paris 1922
[3] - أبو القاسم الزياني "الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور برا وبحرا" تحقيق وتعليق عبد الكريم الفيلالي، نشر وزارة الأنباء الرباط، غشت 1967، ص 23.
[4] - الترجمانة… مرجع سابق، ص 82.
[5] - الترجمانة…. م.س. ص 52.
[6] - راجع فقرات حية تؤكد على أهمية الجانب الديني في حياة المغاربة خاصة حضور نظرية الإمامة عند الزياني وباقي العلماء. الترجمانة …م.س. ص 60-73-75.
[7] - الترجمانة… م.س. ص 128.
[8] - 9 حول نزاع اليزيد والهشام انظر الترجمانة…م.س.ص 60-61-146.
[9] -  يذكرنا الزياني بصفة غير إرادية بماكيافيل، حول أهمية العنف والدهاء في السياسة راجع الترجمانة…م.س.ص 133 وما بعدها.
[10] - يؤكد الزياني على العدل ومن جهة أخرى على القوة :  ص 232-233 وص 70-71.
[11] - الترجمانة… م.س. ص 419.
[12] - بفعل إرثه الثقافي الديني يربط الزياني السياسة بالأخلاق.
[13] -  أشرعي أحمد، م، س,ص 20.
[14] - الترجمانة…م،س،ص 358.
[15] - أشرعي أحمد م.س. ص 16.
[16] -م،س، نفس الصفحة.
[17] -  الترجمانة…م.س. ص 380-386.
[18] - الترجمانة… م.س.ص 71-74-76-540.
[19] - الترجمانة… م.س، ص 104.
[20] - أحمد أشرعي، م.س. ص 17. الترجمانة… م.س. ص 580.
[21] - لترجمانة…م.س. ص 232.
[22] - أحمد أشرعي، م.س. ص 20.
[23] -  الترجمانة… م.س.ص 580-581.
[24] -يرفض الزياني المذهب الوهابي من خلال رسالة هؤلاء إلى التونسيين والمغاربة ورد هؤلاء الآخرين على المذهب الوهابي بالمقابل يلح على ضرورة اتباع الكتاب والسنة.
[25] - الترجمانة… م.س. ص 50.
[26] - الترجمانة… م.س. ص 232.
[27] - الترجمانة… م.س.ص 390-462-493-494.
[28] - الترجمانة… م.س. ص 232.
[29] - يؤكد الزياني أن النخب الفاسية كانت لها دوافع مصلحية.انظر أشرعي أحمد، م.س. ص23.
[30] - الترجمانة… م.س.ص 532.
* -  ذكرنا سابقا أن نصائح أبو القاسم في ترجمانته لم تأت في أغلبيتها بطريقة مباشرة.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟