السبت 16 كانون1

أنت هنا: الصفحة الرئيسية اجتماع ونفس علم الاجتماع جاذبية المدينة وتحدياتها من أجل الإنصاف والتنمية المستدامة* : ترجمة مساهمة ضمن كتاب"Désirs de ville " للجغرافي محمد الناصري-2017- محمد أبرقي

علم الاجتماع

جاذبية المدينة وتحدياتها من أجل الإنصاف والتنمية المستدامة* : ترجمة مساهمة ضمن كتاب"Désirs de ville " للجغرافي محمد الناصري-2017- محمد أبرقي

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

Anfasse03111
بالإشتغال على  سؤال المدينة وتحولاتها من زاوية تفكير إيجابية،وضمن نزعة إنسانية ترنو للتقدم والمستقبل،وبكثافة مَفهوميّة تَمتَح من حقول معرفية متعددة،نَحتَ الجغرافي والأستاذ الجامعي محمد الناصري الكثير من المفاهيم التأسيسية،واهتم في مؤلَّفه  الجامِع هذا بقضايا منها: تغيُّرات المشهد الحضري؛السكن غير المندمج وغير المهيكل بالمدينة؛رهانات تهيئة المجال الحضري في المدينة المغربية وعلاقتها بأزمة الأرياف؛سياسات المدينة في العالم العربي؛السلطة ومراقبة التراب بالمدينة؛ التحضُّر السرّي؛تطور المَدينيّة الحضرية بالمغرب  وبالعالم الإسلامي ودلالاتها في الألفية الثالثة؛المواطنة وقضايا الإندماج الحضري؛تدبير الموارد والثروات في المدينة؛ الانتقال من الواحات إلى المدينة وعلاقات المدينة بالأرياف،إضافة إلى مباحث أخرى غنيّة في الكتاب.
ضمن تلك الإشكاليات و عبر أسئلتها ينتقل بنا الباحث والجغرافي المغربي محمد الناصري - والذي نعته الجغرافي الفرنسي والمتخصص في قضايا إعداد التراب Félix Damette  بأنه الجغرافي الفريد الذي يجمع بين التكوين العلمي الرصين والمعرفة الواسعة النظرية والميدانية بانشغال وجوهر إنساني-Géographe humain – في إصداره العلمي الجديد "Désirs de ville"،وهو تعبير جغرافي يحيلنا به إلى الإيطاليItalo Calvino  في "مدن غير مرئية" حيث لكل من الأفراد رغبات ترنو به للمدينة و فيها، حقيقية وفي متخيّلَة ،متأرجحة بين الآمال السعيدة  في عشق الأمكنة و بين أصناف عنف المجال الحضري وقلق العيش فيه .

الكتاب يحمل عنوان Désirs de ville   عن منشوراتEconomie critique/2017 ،في طبعة أنيقة من 598 صفحة-حجم كبير، قدّم له الجغرافي Félix Damette  ، وساهم  فيه تعليقا بخاتمة المؤلَّف postface  كلّ من Grigori Lazarev المتخصص في جغرافيا الأرياف  وقضايا التنمية الاقتصادية، والمهندس المعماري المتخصص في العمارة الحضرية منصف فاضلي الذي شغل مناصب رفيعة في منظمة اليونسكو،والمنظمة المختصّة في السكن التابعة للأمم المتحدة،وهو الذي اعتبره الأستاذ محمد الناصري شاهدا ثمينا،ومساهما في إثراء سؤال مستقبل تطور الظاهرة الحضرية وتوسع المجال الحضري في العالم.


نقترح هنا ترجمة  متواضعة- نرجو أن تكون موفّقة - للمساهمة التي كانت للخبير منصف فاضلي ضمن كتاب Désirs de ville (postface  من الصفحة575 إلى الصفحة 584) وهو كتابٌ  يُغري القارئ ويدعوه  لاستكشاف فصوله ومجالاته البحثية خاصة وأنها إنتاج نظري وعلمي يغطي فترة زمنية مهمة وحيزا مجاليا واسعا محورُ التفكير فيه تُجسّده المدينة وقضايا التحضر.
ينقل لنا مؤلَّف محمد الناصري، ونحن نطالعه،رغبة حقيقية في المدينة،تلك الرغبة التي عرف الباحث كيفية تبليغ رسالتها من خلال توليفة علمية رصينة ومزج بين أدوات التاريخ والجغرافيا والسوسيولوجيا،وكلّ ذلك في قلب العلاقة بين المجال والمجتع.
يقتفي المؤلف لأجل هذا طريق الإنسية، طريقة إنسان منخرط ومسلح بالآمال شاهد على عصره ولكن أيضا بوجهة تتطلع نحو المستقبل، مستقبل حضري أرفع وعيش جماعي أفضل في مدن الغد .
فيما وراء مفهوم الرغبة،والذي يمكننا فهمه بمعنى الاستقطاب المعلَن،أو حتى كهدف نسعى لبلوغه-وفيما وراءه-  توجد مرافعة ودعوة مناصرة حقيقية لفائدة المدينة،التي يعود إليها المؤلِّف،هدفه في ذلك تحسيسَنا ومنحنا وعيا بثروات المدينة التي لا تنضب،وبالفرص التي توفرها وتحملها،فُرَصُ مجالاتٍ في تحولات دائمة،وعناوينُ تحدياتها الرئيسية اليوم هي  الإنصاف،والإندماج،والمواطنة .
نحن ملزمون،في بداية القرن 21،بمواجهة عالم في معظمه حضري،وهو تطور لا يمثل المغرب ضمنه استثناء،حيث أن غالبية ساكنته منذ1994 تتجه نحو الطابع الحضري ما أكده الإحصاء العام الأخير 2014. ولكن أيضا نحن في مواجهة سؤال الإنصاف والإندماج الحضري،وهو تحدٍّ كبير على الدول رفعه وبخاصة دول الجنوب .
إن السلطات العمومية،في عالمٍ الهيمنةُ فيه للمدن منذ2008 بحوالي 3.3 مليار نسمة من أصل 6مليارنسمة،مدعوة للعثور على توازن عادل بين مدن مُنتِجة اقتصاديا،ومدمِجة اجتماعيا،ومستديمة على المستوى البيئي.
إذا كانت المدن اليوم،فعلا،مشهود لها بكونها بمثابة محركات للنمو (بين70 و80 في المائة من الناتج الداخل الخام في بلدان الجنوب)فهي أيضا أمكنة الفقر والإقصاء،ونقص التجهيزات،وضعف التشغيل،وهي ظاهرة تلخص على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والمجالي مفهوم الهوّة الحضريةfracture urbaine
انطلاقا من الإقصاء من الخدمات ومن مزايا المدينة،والتي لها ضحايا بمئات الملايين من المواطنين،يقوم محمد الناصري بتحليل النتائج بالنسبة لأشكال السكن غير المهيكل والهامِشي،ضمن واحدة من مساهماته العلمية الدولية التي تحمل عنوان " Les formes d'habitat sous-intégrées. Essai méthodologique".
 لقد قام محمد الناصري باستعماله لمفهوم السكن غير المندمج/دون المندمِج ،والذي له الفضل في نَحته،بإضافة إرثٍ فكري بامتداد مفتوح يتجاوز الحدود في مجال وموضوع التحضر تفكيرا وتحليلا،ويذكرنا،ضمن سياق حضري متصاعد التطور،بمدى الترابط بين مختلف أشكال الإقصاء -الاقتصادي الاجتماعي المجالي- والسكن وبين الإندماج في المدينة والتماسك الاجتماعي .
إنها محاولة و مجهود فكري،ومرجعية ذات راهنية ملحة أكثر من أي وقت،وتظل واحدة من بين الشهادات القوية عن المسار العلمي لمحمد الناصري، كما تحظى بالقيمة وسط الجماعة العلمية،فقد كانت محورية عند انعقاد الندوة الجامعية التي احتضنتها جامعة باريس- فَانْسان- وذات وزن ضمن خلاصاتها، وقد اتخذت لها عنوان " Les formes d'habitat sous-intégrées " .
محيط عالمي تطبعه المدن:
يصل اليوم تعداد السكان إلى 7.3مليار نسمة 54 في المائة منها تعيش في المدن،وسيصير العدد حوالي 9مليار نسمة 6.3 مليار نسمة منها حضرية أي بنسبة 66في المائة مع ما يعنيه هذا من التحديات التي يطرحها ذلك الانتقال الحضري المتسارع قياسا مع حلول ملائمة لمدن مندمجة منصفة ومستديمة. لقد صارت  اليوم المدينة في عالمنا نمط التنظيم المجالي المهيمن.
والقارة الإفريقية ليست في منأى عما يحدث في سيرها نحو تحضّر لا رجعة فيه،فهي تعرف تحولا سريعا مع وجود أكثر من 1مليار نسمة سنة 2009 منها 400مليون نسمة بالمدن، وفي أفق 2030 نصف مجموع الساكنة الإفريقية سيصير حضريا. تعداد السكان في 12 مدينة يفوق3 ملايين نسمة مع مدينتين بأزيد من 10 ملايين نسمة،وعلى إفريقيا حاليا أن تواجه مشكل "تَحَضُّر الفقر" إذ أن 60 في المائة من الحضريين يعيشون قي سكن غير مهيكل،وهذا الأخير يعتبر السِّمَة الرئيسية للسكن في كثير من المدن مثل القاهرة و لاغوس وكينشاسا ثم لواندا وأبيدجان.
إن ثلثي الساكنة الإجمالية لإفريقيا (2.5مليار نسمة)حسب الخطة الإفريقية في أفق 2063 سيعيشون في المدن خلال الخمسين سنة المقبلة،حيث أن الساكنة الحضرية الإفريقية ستتضاعف أربع مرات،ويشكل هذا في نفس الآن رهانا له وزن هام،ولكن أيضا رصيدا كبيرا على الحكومات والسلطات المحلية والبلديات أن تَتَحصَّل وتضع لنفسها الوسائل لاستغلال النمو الحضري بما يلبي التنمية المستديمة.
إن السلطات العمومية اليوم هي في مواجهة تحديات حاسمة من أجل مستقبل المدن وتشمل:
الإنصاف الحضري عبر الولوج لسكن لائق وللخدمات الأساسية للجميع /وضع تخطيط حضري محفّز ومنتج للثروات والشغل من خلال انخراط مجموع الفاعلين المحليين وضمنهم القطاع الخاص/إدماج البعد البيئي في التدبير المحلي والتعبئة من أجل التقليص من التغير المناخي/تقليص المخاطر ضمن سياق يتسم باستنفاذ وقلة المورد المائي والامتداد على الساحل لعدد كبير من المدن-المتروبول ثم الكوارث الطبيعية.
تحول حضري سريع في المغرب :
المغرب،أيضا،معني بهذا المسار،فإذا كان الانتقال الديمغرافي فيه يتجه نحو نهايته،فهو يعرف تحولا له أثر قوي على تطور ساكنته وعلى توزيعها المجالي في التراب الوطني. يتعلق الأمر بعبور سريع خلال العشرين سنة الأخيرة من مجتمع قروي الطابع إلى مجتمع بأغلبية حضرية. فمن نسبة تحضر 29.2في المائة سنة 1969 إلى نسبة 55 ي المائة سنة 2004 نحو نسبة تتجاوز اليوم 60 في المائة.
التقدم المتسارع لوتيرة التحضر تواكبه  تحولات على المستوى الديمغرافي والاجتماعي والمجالي والتي تضع المغرب في مواجهة عدد من الأولويات :
-    عرض يتناسب والطلب المتزايد على سكن متاح مع  إمكانية الولوج إليه من طرف الجميع؛
-    القدرة على مواجهة حاجات قوية في مجال الخدمات الحيوية(ماء،كهرباء،صرف صحي،صحة،تعليم،حركية وتنقلmobilité ...)؛
-    انعكاسات الكثافات المرتفعة في المدن،واستعجالية  مواجهة وتقليص الهوة الحضرية ثم إقرار التماسك والتعايش الاجتماعي؛
-    التكلفة الاقتصادية والبيئية للتوسع الحضري(غلاء العقار،إنهاك  العقار العمومي والضغط عليه...)؛
تمارس المدينة،ونمط العيش فيها، قوة جذب على الساكنة القروية،وهي نابعة من نقص بيِّنٍ في التجهيزات، ومن عزلة عدد من المناطق،والإنتاجية الضعيفة لفلاحة رهينة ظروف مناخية غير منتظمة، وكذا عوامل إقصاء متعددة،ثم غياب الفرص /البدائل أمام الشباب.
مجموع عناصر تساهم فيها تلك النزعة القوية للهجرة نحو الأحياء غير المهيكلة في المناطق الحضرية والضواحي الحضرية.
ونتائج هذه الظاهرة هي إفراغ الأرياف من ساكنتها ومن قوة العمل فيها،وقد تجلت ظاهرة معاصرة تتمثل في انطلاق تيارات هجرة نحو المدن تخص أكثر فأكثر فئة الشباب والنساء،وهو اتجاه أثبتته معطيات الإحصاء العام سنة 2014 : العمر المتوسط للمهاجرين خلال خمس سنوات –فيما قبل 2014-هو 25.9سنة،كما تتجلى أيضا خاصية "التأنيث"(أي هجرة النساء) في تلك الهجرات الكثيفة إذ من أصل 520000 شخص جاء للاستقرار في المدينة،54 في المائة  منهم نساء، ومتوسط عمرهن 25.5 سنة وهو يماثل متوسط عمر الرجال .
تستمر المدينة  على الرغم من ذلك مجال فرص أمام الجميع. فما بين الإمكانات والرصيد الاقتصادي والإدماج الاجتماعي تبقى المدينة المغربية اليوم،على غرار مثيلاتها من مدن الجنوب،في قلب تحديات كبرى معاصرة :
- تمثل الساكنة الحضرية أزيد من 60 في المائة من ساكنة المغرب،وهذه النسبة ستبلغ في أفق 2030 نسبة 70 في المائة . هذا النمو ينتج عن عدد من العوامل بما فيها الجمع بين النمو الديمغرافي والهجرة القروية،وتظل هنا المدينة مجال استقطاب بامتياز؛
- يتسم المغرب بتحضر ساحلي يجسده المحور الساحلي القنيطرة-الجديدة والذي تتمركز فيه،وعلى مسافة 230كلم،7.5 مليون نسمة أكثر من 40 في المائة من مجموع الساكنة الحضرية،ساكنة ستتجاوز 10 ملايين نسمة في أفق 2030 ؛
- تعتبر المدينة محرك التطور الاقتصادي،إنها أول مصدر لخلق الثروات بحصة مساهمة في الناتج الداخلي الخام تتجاوز 75 في المائة،وهي أيضا مورد رئيسي بالنسبة للدولة في المجال الضريبي،وكذا هي مكان الأمل والإندماج لعدد كبير من المهاجرين القرويين(أزيد من مليون شخص التحقوا بالمدن فترة المرحلة 1994-2014)والمدينة أيضا هي مجال الحداثة وإعداد الرجال والنساء لتحديات التطور والمواطنة؛
- يمنح التمركز المتزايد،للأنشطة وللأفراد،للمدينة وزنا حاسما في استهلاك الموارد البيئية،وعلى المدن إذن أن تواجه التوترات وضرورات التنمية المستدامة؛
- المدينة هي مكان الانتظارات الاجتماعية،ومن بين تحدياتها الكبرى في أفق السنوات القادمة (15سنة) توفير 250000 فرصة عمل في السنة مقابل 150000 حاليا؛
- ينبغي على المدينة مواجهة رهانات التهيئة وإعداد التراب،وتنظيم عَرضِ سكنٍ مناسب للسكان. أكثر من 30 في المائة من السكن المنجَز سنويا بهوامش المحيط الحضري وفي غياب التخطيط .
- يجب على المشاريع الكبرى للتهيئة الحضرية بضواحي المدن أن تكون قادرة على إدماج: مشكلات السكن والشغل ،التنوع والإنصاف الإجتماعي،الاستقطاب،الوُلوجيّة والترابطية والاتصال. وهذا مع تحسين وتجويد استعمال الرصيد العقاري، والتحكم في استهلاك الطاقة ضمن إطار تدبيرٍ مستدامٍ للتراب .
"رغبات المدينة" من الحق في السكن إلى الحق في المدينة:
طبع النمو المتنامي لأشكال السكن غير اللائق-في نطاق مدن بلدان الجنوب- فترة الثلاثين سنة الأخيرة،
وكان نتيجة لاتساع اللاّمساواة  والفوارق الاجتماعية. إن النمو الحضري في عدد من البلدان النامية غالبا ما تميز بخاصية النمو غير المهيكل بل واللاّقانوني لمستوطنات التجمع البشري،واضعة بذلك ومحمّلة السبب للسياسات العمومية التي أفلست في مشروع المزاوجة والربط بين النمو و التنمية. وقد أمكننا لذلك الحديث عن "تحضّر الفقر" للتعبير عن ظاهرة صارت الشكل المهيمن على مستوى القارة الإفريقية،وتستعمل للدلالة عن حضور تلك الظاهرة تعبيرات متعددة منها مدن الصفيح ،الفافيلاfavela، slum ،بارياداسbarriadas  ...
وقد برزت في هذا الموضوع جدوى وقيمة الدراسات والمؤتمرات التي تمحورت حول تلك الإشكالية،كما تبرز فائدة مداخلات المشاركين في منتدى "فانسانVincennes" والتي قامت بإغناء التفكير في الموضوع على الصعيد الجامعي،وساهمت في بعض الحالات في توفير المرافقة للسياسات العمومية في كثير من بلدان الجنوب.
من بين تمظهرات التفكير و التعبئة -بصدد موضوع السكن غير اللائق وتحضر الفقر- تنظيم مؤتمر الأمم المتحدة حول المستوطنات البشرية ( استانبول يونيو1996) والذي أبرز الحق في السكن حيث كان من بين ما تضمنه إعلان المؤتمر ضمان السكن اللائق للجميع،وجعل المستوطنات البشرية أكثر أمانا،وصحيّة، وقابلية للعيش، وإنصافا، واستدامة ثم إنتاجية .
تبعا لتقديرات  منظمة الأمم المتحدة المختصة في السكن فقد عرف ما بين 2000 و2010 حوالي 270 مليون شخص في البلدان النامية تحسنا  دالا في شروط عيشهم. في معنى آخر استطاعت الحكومات تجاوز العتبة المحددة في أهداف الألفية الثالثة حول التنمية بنسبة 2.2 فيما يتعلق بتحسين ملموس لظروف عيش 100 مليون نسمة على الأقل في أفق 2020 ،وهو هدف يتم التذكير به في مجال الالتزام أمام المنتظم الدولي .
قام المغرب،مرتكزا في ذلك على شعار منظمة الأمم المتحدة حول السكن" مدن بدون أحياء عشوائية" سنة 1999، بإطلاق البرنامج الوطني "مدن بدون صفيح" سنة 2004 كاستمرارية للأولويات الحكومية في مجال تقليص السكن غير اللائق والتنمية الاجتماعية ومكافحة الفقر .وخلال عشر سنوات منذ بداية البرنامج تم إعلان 51 مدينة دون صفيح من أصل مجموع 85 مدينة ومركز حضري مستهدف، كما أن أكثر من 1.3 مليون شخص عرفت شروط سكنهم تحسنا. أما بخصوص مكافحة الفقر فقد تراجعت ساكنة مدن الصفيح بالمغرب من نسبة 8.2 في المائة من بين مجموع الساكنة الحضرية سنة 2004 إلى 3.9 في المائة سنة 2010.
ويجب هنا تسجيل استمرار بعض الإكراهات التي تهم الإندماج في المدينة والمواكبة الاجتماعية وجودة البيئة.
ما نعتبره ممارسة جيدة لفائدة سكن الفقراء هو أنها استراتيجية إرادية تترجمها السياسات العمومية في كثير من البلدان والتي تدمج ضمنها:
- إعادة هيكلة مدن الصفيح الموجودة،وتأمين الإقامة في السكن،وتحسين الولوج للخدمات الأساسية؛
-التخطيط للتوسع الحضري وتوفير التجهيز ببنيات تحتية ملائمة؛
-إقرار شروط تضمن عروض سكن لائق ومتاح؛
-وضع برامج نمو حضري وسكن تتصف بخاصية الإدماج والتسيير على المستوى المحلي، وترافقها في ذلك موارد بسند وطني؛
-جماعات محلية يتم تعزيز جهودها، وبحكامة محلية من أجل تفعيل الاستراتيجيات والبرامج المحلية الخاصة.
هذه المقاربة أكدها الدستور الجديد  سنة2011  الذي أعلن عن الحق في السكن مرتبطا بالحق في الماء وفي بيئة سليمة والحق في الصحة والحماية الاجتماعية (الفصل31).تنبثق تلك المكتسبات من الإرادة السياسية لإرساء مقاربة ترتكز على حقوق الإنسان وتستهدف الإدماج الحضري وتقليص الفقر مع توفير ظروف الحق في المدينة .
وإذا كان بالفعل من الضروري تسجيل التقدم الحقيقي الذي تحقق في موضوع تراجع مدن الصفيح فإن هذه الأخيرة لا ينبغي أن تخفي التحديات المستمرة من أجل سياسات حضرية بمزايا أكثر إدماجية .
تستمر مدن الجنوب،باعتبارها مجالات الحداثة/العصرنة، والمواطنة،ومرادفات للفرص من أجل الجميع، جهات لاستقبال تيارات تدفق الساكنة القروية،ومجالات انتشار الهوامش الحضرية ونقص كل من التجهيزات والشغل .
إن المدن مدعوة إذن،،في مواجهة ارتفاع الطلب الاجتماعي ورهان الحد من الفقر،قصد تقليص الهوّة الحضرية وأصناف العجز الاجتماعي،  إلى اعتماد  أساليب تدخل ومواكبة متجددة ولكن أيضا لسياسات ترابية مخطط لها أكثر إدماجا ولا مركزية .
لأجل هذا على الدول والسلطات المحلية أن ترفع تحديا من بين التحديات الكبرى في بداية القرن 21 ويتعلق الأمر بالولوج  إلى  المدينة/ولوج يقوم على الإنصاف بالنسبة للجميع،ويجد تعبيره في الحق في المدينة بمعنى يشمل تلازما مترابطا بين المواطنة والتنمية المستديمة وفي إطار تنمية مدمجة تستند إلى مبادئ عدم التمييز وتكافؤ الفرص ومساهمة ثم مشاركة الجميع في مشروع مدينة - مواطن .
يمثل الميثاق العالمي حول حقوق الإنسان في المدينة، والذي كان هدفه النهوض وتقوية حقوق الإنسان حقوق كافة السكان في كافة المدن عبر العالم،إحدى الأطر الموحدة على المستوى العالمي،والتي تسعى، ومن خلال خطط عمل،إلى أجرأة /وتفعيل حقوق الإنسان في المدينة. يهدف الميثاق كذلك إنتاج أدوات في خدمة الحكومات المحلية ودعم النهوض ببناء مجتمعات بإدماجية أكثر،وديمقراطية،وتضامن، بمساهمة من السكان ووفق منهجية تشاركية . لهذا تحظى الجماعات المحلية،من حيث أنه لها صفة تمثيلية المواطنين ومنه فهي لها التفويض-بالانتخاب- في تدبير الشؤون المحلية، بدور نشط ينبغي القيام به في مجال حماية حقوق الإنسان والنهوض بها.إنها بالتالي مدعوة لإرساء وتقوية أواصر الارتباط المتبادلة بين مبادئ حقوق الإنسان وأسس الديمقراطية المحلية .إطار التدخل هذا،ينبغي أن يكون له، وبشكل متلازم،نظام حكامة تشاركية يسمح للفاعلين في المشاريع الترابية وللمنتخبين والسلطات المحلية وللجمعيات والمواطنين بتطوير عمل جماعي متآزر وتملّك منهجيته وأساليبه،والهدف من إطار الحكامة ذاك :
-منح الأفضلية لفضاءات الحوار والتشاور
-الجمع بين مختلف الفاعلين المعنيين ضمن إطار علاقات بين الدول والمنتخبين والمجتمع المدني
-تقوية الروابط بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية .
الموئِل** الثالث والخطة الحضرية الجديدة:
إذا كان مؤتمر الأمم المتحدة للإسكان والتنمية الحضرية المستدامة المنعقد في استانبول سنة 1996 قد جعل من الحق في السكن واحدا من بين موضوعاته الرئيسية في أشغال المؤتمر،فإن المؤتمر الثالث  Habitat IIIالمنظَّم في كيتو –الإكوادور/ أكتوبر 2016) والخطة الحضرية الجديدة (جدول الأعمال العمرانية الجديد) قد مَنحا الأولوية لمسألة الحق في المدينة.ويترجم شعار "لا أحَد سَيُنسَى"الرهانات التي يجب على المجموعة الدولية مواجهتها .هذا الحق في المدينة- الذي سيشكل ورشا مهما من بين أوراش ما بعد المؤتمر الثالث- يسير كي يصبح واحدا من الشروط الحاسمة لحقوق الإنسان في المدينة،ويعبر عنه الولوج إلى: السكن لائق ،والخدمات الحيوية،والشغل والحركية/التنقل ثم إلى الأمن .        
لقد وفرت الخطة الجديدة للتحضر القاعدة لأعمال القمة من حيث توجيه سياسات السكن والتحضر خلال العشرين سنة المقبلة .وقد تم اعتمادها بالتوافق من طرق الدول الأعضاء في شكل "إعلان كيتو". وحيث أنه مبني على الاختيار، فإن هذا الإعلان يمثل أرضية للدول والمدن قصد رفع التحديات التي يطرحها العالم الحضري في القرن21،ويرتكز كذلك على أهداف التنمية المستدامة خاصة منها الهدف رقم 11 " جعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة للجميع وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة"
في النهاية،تقوم مقاربة حقوق الإنسان من أجل الحق في المدينة على بعض المبادئ الحيوية من أجل بناء مشروع حضري تشاركي وتدبير محلي في خدمة الجميع :
مدينة مستدامة تستجيب لتحديات الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ومؤسسة على الإنصاف حيث تقليص الهوة الحضرية يمر عبر استراتيجية تقليص الفقر .
-مدينة مُنصفة تمنح مخصّصات وموارد موزعة على مجموع التراب،وفيه يتم ضمان الولوج للبنيات التحتية وإلى الخدمات الأساسية ثم تأمين العقار وخلق فضاءات الحوار والتشاور من أجل اتخاذ قرار تشاركي
-مدينة تمارس الصلاحيات المحلية -وفق قواعد التفويض ودعم التكاملsubsidiarité - بما يحقق التدبير الذاتي والمسؤولية المحلية في إطار سياسات اللامركزية والديمقراطية المحلية.
-مدينة  الشفافية والمسؤولية وتقديم الحساب عبر مسار التوافق مع الفاعلين المحليين حول تدبير المدينة والولوج للمعلومة ثم الارتقاء بمعايير الإيتيقا éthique.
- مدينة الأمن،وهي مدينة آمنة مُدمِجة  تخلق فرص الاستثمار وتوزيع الثروات.بالإضافة أيضا إلى أمن الأشخاص والعقار وحماية البيئة .
- مدينة الانخراط والالتزام  المدنيcivique والمواطنة تشجع  في ذلك المواطنين رجالا ونساء ،كما تشجعهم على الانخراط من أجل قيادة محلية في إطار العلاقات بين الدول والمنتخبين والمجتمع المدني.
للختم نضيف بأنه إلى جانب الاهتمام بسؤال أشكال التحول الحضري المختلفة فإن محمد الناصري قد دفعنا - ومعه تحسيسنا وتوعيتنا- نحو فتح النقاش حول إشكالية النسيج الحضري القديم وضرورة حمايته وإنقاذه، وحول ثراء ومكامن ضعف سكن الواحات"القصور"،ولكن أيضا حول تمرين- ممارسة المواطنة ومجالها الرئيسي اليوم تمثله المدينة .
---------------------------
 *العنوان من اقتراحنا .
 ** برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية.

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث