الأحد 22 تشرين1

أنت هنا: الصفحة الرئيسية اجتماع ونفس علم الاجتماع قراءة في كتاب الفلاح المغربي المدافع عن العرش لصاحبه ريمي لوفو ـ عبدالرزاق القرقوري و المصطفى ابو العلا و صلاح الدين ليياتي

علم الاجتماع

قراءة في كتاب الفلاح المغربي المدافع عن العرش لصاحبه ريمي لوفو ـ عبدالرزاق القرقوري و المصطفى ابو العلا و صلاح الدين ليياتي

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

anfasse23046
مقدمة:
إذا كانت الدرسات الكولونيالية والفرنسية بالخصوص قد ركزت بشكل كبير على دراسة مختلف الأوضاع الطبيعية والاجتماعية والإقتصادية للمغاربة قبل الإستقلال، تمهيدا لفرض السيطرة الإمبريالية عليه، فإن مضمون اهتمام الدراسات قد تغير بعد الإستقلال.
لقد أولت اهتماما متزايدا لتشخيص الأوضاع السياسية، والوقوف على التوجهات الجديدة التي يسير فيها المغرب وخاصة مغرب الحسن الثاني، وبذلك أطلت علينا مجموعة من الأطاريح السياسية والإجتماعية التي قدمت قراءات مختلفة للوضع المغربي.
من أهم هذه الدراسات، والتي لاقت انتشارا واسعا، نجد دراسة الباحث الفرنسي ريمي لوفو Rémy leveau تحت عنوان: " الفلاح المغربي المدافع عن العرش"، وهي دراسة فريدة إبان الفترة التي أصدرت فيها، وذلك من خلال توجهها الجديد والذي يمكن أن ندخله في سيسيولوجيا الانتخابات.
لقد قدم الباحث تشخيصا عميقا ودقيقا للوضع السياسي المغربي، من خلال تشخيص القوى السياسية الفاعلة في البلاد، وهي مؤسسة الملك والنخب السياسية، سواء منها القديمة التي ظهرت في فترات الإستعمار أو الجديدة والتي ساهمت مجموعة من الظروف في بروزها.
فما المقصور بالفلاح المدافع عن العرش؟ وما هي أبرز المضامين التي حملتها أطروحة الفلاح المغربي في ثناياها؟ وما هي أهم القضايا التي عبرت عنها؟
ما هي أهمية الدراسة المقدمة، باعتبارها توجه جديد في عالم الدراسات التي جعلت من المغرب حقلا معرفيا لها؟
كيف قدم الباحث تصوره عن الأوضاع السياسية المغربية والنخب المشاركة فيها ونوعية العلاقات التي تربط بينها؟


التعريف بالمؤلف والمؤلف

1)     المؤلف
ريمي لوفو: يعتبر ريمي لوفو من اهم الدارسين للوضعية السياسية في شمال افريقيا والمغرب على الخصوص، فهو فرنسي الجنسية ولد سنة1932، حصل على دكتوراه في القانون والعلوم السياسية من كلية الحقوق في الرباط. وكان المستشار القانوني لوزير الداخلية المغربية (1968-1974). ومن ثم، المستشار الثقافي في سفارة فرنسا في طرابلس (1974-1975)، وأستاذا في كلية الحقوق في جامعة القديس يوسف في بيروت.
بعد أن عمل في المديرية العامة للعلاقات الثقافية، وزارة الشؤون الخارجية (1975-1980)، أصبح المستشار الثقافي في سفارة فرنسا في القاهرة (1980-1983). مرة أخرى في معهد الدراسات السياسية في باريس (1983)، قام بتنظيم برنامج الدكتوراه في العالم المعاصر العربي والإسلامي، وتشكيل فريق بحث حول الإسلام في فرنسا. ثم تعاونت مع كلية الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية،
وهو أستاذ في جامعة جونز هوبكنز (بولونيا). أستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس، وتوفي في مارس 2005. مخلفا وراءه عشرات الكتب والدراسات حول الأوضاع في العالم العربي وخاصة في دول شمال أفريقيا، ومن أهم كتب لوفو نذكر "الفلاح المغربي مدافع عن العرش" "Le Fellah marocain défenseur du trône"، الذي صدر سنة  (1976) الذي مازال من أهم المراجع في سوسيولوجيا الانتخابات بالمغرب.[1] إضافة إلى "السيف والعمامة" (1993) الذي يتناول فيه العلاقات المعقدة بين مؤسسة الجيش والنخب السياسية في الأنظمة الاستبدادية.
 
2)     التعريف بالمؤلف:
الفلاح المغربي المدافع عن العرش[2] يندرج ضمن كتب التي ألفت في العلوم السياسية، ويعد هذا الكتاب من النفائس التي كتبت في هذا الباب.
 بعد الاستقلال بعشرين عاما فقد لا حظ واتر بوري  النقص الحاصل في هذا الباب حين قال "من المدهش أن المؤلفات الفرنسية حول السياسة المغربية كانت ناذره إلى ذلك الحد خلال السنوات الأخيرة"[3].
النسخة المترجمة من الكتاب على يد محمد بن الشيخ ومراجعة عبد اللطيف حسني، والمنشورة من طرف مجلة وجهة نظر سنة   2011، الترجمة تمت عن الطبعة الثانية الصدرة سنة 1985. عدد صفاحته 337 يضم ثلاث أقسام وإحدى عشر فصلا بالإضافة إلى ملحق يشكل فصلا تمت إضافته من قبل المؤلف في الطبعة الثانية لسنة 1985، وملحقين الأول خاص بكرنولوجية سياسية مجملة، وملحق خاص بدليل المصطلحات العربية ومصادر الكلمات.

3)    العنوان
لا شك أن عنوان الكتاب يحيل على موضوع مهم جدا إذ يتطرق إلى العلاقة القائمة بين العرش المقصود به القصر بالدرجة الأولى أما مصطلح الفلاح فقد أراد به المؤلف الإشارة إلى والدلالة على طبع الفلاح وأميته وفقره، وما يشكله فكره من وسط ملائم لانتشار الأفكار الخرافية الاستسلامية والسلوكيات السلبية التي لا ترى في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المزرية سوى قدرا مقدرا وبذلك يكون الفلاح مخلصا لنظام حكمه مدافعا عن الجالس على عرشه.
 فالكتاب من خلال قراءة عنوانه سيتبادر لذهن المتلقي السؤال الآتي، كيف يمكن للفلاح أن يدافع عن العرش عوض أن يدافع العرش عن الفلاح؟ ويبقى تساؤلا في محله كون العرش هو الذي يملك كل الآليات والوسائل من أجل التحكم.
لكن من خلال ثنايا الكتاب يتبين للقارئ كيف أن النظام الملكي بعد الاستقلال عمل على تبني نفس توجه سلطات الحماية في تعاملها مع العالم القروي، لكن هذه المرة تحت اسم السلطان أو القصر، باعتباره الحاكم الشرعي والمؤسسة الوحيدة التي لها القول الفصل داخل المغرب.
وما يثير الانتباه، في هذا الصدد، هو كيفية استعادة وإحياء ورعاية النظام المغربي لتحالفات الإدارة الاستعمارية مع النخب القروية لمواجهة النخب الحضرية الحاملة للقيم الديمقراطي، مثلما قامت سابقا الإدارة الاستعمارية بالتحالف مع أعيان العالم القروي ضد النخب الحضرية المطالبة بالاستقلال.
 
القسم الأول: إعادة بناء نظام النخب المحلية
الفصل الأول: من الحماية إلى الاستقلال زوال الإعيان ثم عودتهم إلى الظهور
يتناول الكاتب خلال هذا الفصل تلكم التغيرات الجذرية التي عرفتها الإدارة المغربية إبان الاستقلال، وذلك في خضم نقل السلط من إدارة الحماية إلى الإدارة المغربية.
وقد حاول أن يرصد لنا أهم الأسس التي كان يقوم عليها النظام الإداري بالمغرب والمتمثلة في الأعيان باعتبارهم الضامن الأساسي لاستقرار العالم القروي والذي كان يمثل إلى غاية 1956م، %80 من مجموع سكان المغرب والذين لم يكونوا يخضعون في تدبيرهم إلا على يد بضع مئات من الموظفين الفرنسيين المدنيين أو العسكريين، الذين يساعدهم في مهامهم بعض الأعوان المغاربة.

استفاد الأعيان طيلة مدة الحماية ما أمكن من السلطة التي يضمنها لهم الجهاز الأجنبي الحاكم. وذلك من أجل توطيد الأسس العقارية المترتبة عن سلطاتهم، ومن ثمة يتحولون بشكل تدريجي من قواد للحرب إلى ملاكين كبار، كما كانت إدارة الحماية تقدم لهم مساعدات من جهازها القضائي، أي أن إجراءات التسجيل العقاري كانت تتيح لهم الإمكانيات لكي يهبوا لأنفسهم الملكية التامة لمساحات تختلف من حيث أحجامها.
يمكننا أن نعتبر بأن القصر قد أعاد بلورة نظام من التحالفات مع النخب المحلية التي تؤيده وتقف إلى جانبه في وجه الضغوط التي قد تصدر عن الطبقة المثقفة وعن البورجوازية الحضرية والبروليتاريا الصاعدة. وهكذا إن ضبط العالم القروي والتحكم فيه هو بمثابة عامل للإستقرار السياسي.
إن السعي نحو تطبيق الزراعات المكثفة التي تتوقف بالضرورة على مبدأ التوزيع الجديد للأراضي، كانت بمثابة محاولات تثير مخاوف البعض، وبالمقابل ستكون بعض النخب ميالة أكثر لتقبل القيام بعمليات تحديثية، من شأنها أن تجعلها تتخلص بواسطة الهجرة نحو المدن، أو نحو الخارج، من الفائض البشري الذي يهددها.
لكن السلطة كانت تسعى إلى الإبقاء على قسط من الفائض من السكان بالبادية، وجعلت من المساعدات الأوربية عنصرا مهما في استراتيجيتها الخاصة بالنخب المحلية. وفي هذا الإطار كانت البورجوازية الزراعية العصرية تمثل الجهة الأكثر اهتمام بالأبعاد الكامنة  وراء الشراكة مع السوق الأوربية.
إلا أن مخططات العاهل لم تستطع أن تتحقق على أرض الواقع بشكل تام فيما يتعلق بهذا الجانب، وذلك راجع إلى إخفاقاته في دمقرطة السياسة، الشيء الذي أدى إلى استبعاد المساعدات الموجهة إلى عصرنة النظام الزراعي بالمغرب، وكبح محاولات التحديث للنظام السياسي وللبنيات الخاصة بالعالم القروي.
حري بالتنويه إلى أن تحقيق النجاح في تحقيق العصرنة كان سيؤدي بتلك الجهات إلى الحد من دور النظام الملكي بحيث لا تصبح الملكية إلا بمثابة رمز للشرعية والوحدة، لكن الملك الحسن الثاني غير ذي استعداد للرضوخ لهذا الأمر.
إنشاء النظام الجديد لملكية الأراضي الزراعية الواسعة من لدن النخب المحلية كان بمثابة صنيع قد جر معه عددا من التوترات عبر الوسط القروي والتي تعود في الأصل إلى احتكار الأعيان للأراضي الزراعية وكذا سلطة الحماية التي اختصت نفسها بأكثر من مليون هكتار من أجود الأراضي، و العمل على تمرير  مئات الآلاف من الهكتارات من ضمن أراضي الجموع كأراضي الكيش والاراضي الغابوية وجعلها تحت مراقبته، الضغط الديمغرافي الذي اضحى يعاني منه الوسط القروي، وضريبة الترتيب التي كانت تثقل كاهل المزارعين المغاربة أكثر مما هو الشأن بالنسبة للأوربيين، هذه الوضعية كانت على وشك أن تؤدي إلى انهيار النظام الإداري المحلي، في نفس الآن مع النظام الإنتاجي التقليدي.
في حين شكل استيلاء اليسار  الوطني بعد الإستقلال على الجهاز الإداري كان بإمكانه حينئذ أن يرسم سياسة للإصلاح رامية إلى تقويض سلطة الإعيان عبر العالم القروي. ولقد بدا أن القصر قد مال في البداية إلى تشجيع المحاولات التي ترمي إلى استعادة مؤسسة القواد القدماء بدون أن تكون له الرغبة، مع ذلك  في أن يورط نفسه أمام الوطنيين.
 
الفصل الثاني: البحث عن إطار إقليمي جديد وعن قواعد اللعب لصالح الأعيان
1)     التقطيع الاقليمي الجديد
الحدود الاثنية لم تتعرض للهدم وروابط التكافل بين القرويين المستمدة من نظام القرابة ستظل تقوم بدورها دون عقبات، ولا سيما في فترة التعبئة الاجتماعية السياسية ضمن المجموعة السكانية.
في انعدام تغيير حقيقي للبنيات الاقتصادية بالعالم القروي، سيبقى هذا النظام يمثل مجموعة من التكافلات التي تربط بين أعضاء تجمع معين في إطار استغلال اجتماعي لفضاء جغرافي ما، وعندما أرادت الادارة في 1957 أن تنفي هذه الظاهرة شعر العالم القروي، بأنه مهدد في هويته الجماعية وكان جوابه عندما تم التوجه إليه لالتماس موافقته على احداث تنظيم جديد، عبر عن ردة فعل تقف إلى جانب الحفاظ على الهياكل القديمة.
2)      اختيار طريقة الاقتراع

انعدام القيام باصلاحات أكثر عمقا، كان لا مفر من السقوط ثانية في اختيار تقطيع اثني حيث لم يتغير فيه شيء إلا الاسم، وكانت النخب المحلية التقليدية تجد في هذا التقطيع الاثني إطارا لها تتلاءم معه إلى أبعد حد.
كانت الاحزاب ستحظى بفرصتها من أجل بلورة طريقة ما لاختراق العالم القروي ثم مأسسته. من خلال تبني طريقة ما للتصويت. لآن التحكم في العالم القروي كان سيضمن لها أن تضع يدها على السلطة دونما حاجة إلى استعمال العنف.
القصر هو الاخر كان يحدد هدفا له هو أن يمنع تلك المناورات من أن تلقى نجاحا ما، لكن هو الاخر سعى للدخول في التحالف مع النخب المحلية دون أن يورط نفسه.
الرهان على أسلوب الاقتراع الفردي قوى الى حد بعيد من طابع الخاصية الاثنية لدى الجماعات القاعدية وهي الخاصية التي يتأكد وجودها بالملموس على مستوى الدوائر الانتخابية أكثر مما يتأكد على مستوى الجماعات المحلية.
الفصل الثالث: إعطاء الأسبقية لإعادة تكوين الشبكة الإدارية المحلية

1)     إعادة بناء الشبكة
ترك العالم القروي منطويا على نفسه بدون تأطير إداري، في هذا الصدد لقد تمكنا من رؤية كيف أن الاحساس بالإهمال من لدن العالم القروي، في السنوات الاولى بعد الاستقلال، قد ولد هناك استياء سياسيا عبر عن نفسه خلال عدد من أوجه التمرد والعصيان، إذ كان من غير المعقول أن يعود نظام الحكم إلى تبني نظام القواد التقليديين لأيام الحماية.
2)     دور المقدم

أعاد القواد الجدد تدريجيا إنشاء شبكة من الشيوخ والمقدمين، تماثل الشبكة التي كانت قائمة في فترة الحماية. في حين كان الدور الذي يقوم به صغار الاعوان هو دور صعب على التحديد ومن المؤكد أنه يتجاوز بشكل كبير القيام بالمهام الصغيرة على ما يبدو والتي تلقى على كواهلهم من لدن القواد.
أما دور المقدمين والشيوخ فقد ازداد توسعا مع مرور الايام القواد الجدد لم يعودوا كما كانوا من قبل ينتمون إلى الجماعات الإثنية، لقد أضحوا مأمورين تابعين للمخزن، بعد أن توارثوا رموز السلطة الادارية التي كانت بأيدي المراقبين المدنيين القدماء.
دور المراقبة السياسية على السكان لم يكف عن التوسع منذ بداية الاستقلال، ولا يحق لاحد الغرباء عن المجموعة السكانية التابعة للمقدمين وأن يتحدث إلى الساكنة بدون أن يبلغ المقدم، الذي سينقل هذه المعلومات إلى القائد.
مقاييس اختيار القواد الجدد حسب البكاي: أن لا يبقى هناك رجل سلطة جاهل-أن لا يكون اختيار رجال السلطة خاضعا لتأثير الاعتبارات السياسية-التوظيف المحلي (الحد الادنى من التعليم والكفاءة والنزاهة).
التدخلات الوحيدة الممكنة من لدن الدولة لا تأثير لها على الامتيازات المكتسبة سابقا من لدن النخب المحلية أو أكثر من هذا، لا تأثير لها على تلك الإمتيازات التي تقوي من وضعية تلك النخب، لآن من شأن هذه الوضعية أن تتسبب في كبح أي تطور للإنتاج الزراعي، أو ألا تسمح البتة بقيام أي نمط عملي يستجيب لمتطلبات المد الديمغرافي المتزايد عبر العالم القروي.

3)    تأطير المنتخبين
لقد منحت الانتخابات الجماعية 29ماي1960 البلاد 10000 مستشار جماعي، وجميع الملاحظين الرسميين يتفقون على الاقرار بكون المنتخبين ينحدرون في أغلبيتهم الساحقة من فئات النخب المحلية، ومن النادر في هذا الصدد أن نجد بينهم أي فلاح لا يمتلك قطعة أرضية خاصة.
كان الملك يعمل على تجميع رؤساء المجالس في مقر العمالات ويستمع إلى شكاويهم وذلك ضمن أسلوب يمتزج فيه الطابع التقليدي الشريف مع تطبيق الجمهورية الخامسة الفرنسية، هكذا فإلى جانب الوعود بتزويد المنطقة بالماء، وبجلب استصلاحات زراعية، بالإضافة الى النية في مراجعة القانون الجماعي في اطار روح تتسم بالليبرالية.
إن نظاما محافظا من هذا القبيل كان من الممكن أن يصبح مناسبا لو أن أي عنصر جديد لم يقحم نفسه عبر دائرة الاحداث، وذلك لان ما ترتب في نفس الحين من طفرة ديمغرافية وما واكب ذلك من تغيرات في ميدان التعليم قد أدى إلى إعادة النقاش سواء حول الاوضاع بالبوادي أو حول العلاقات بين المدن والبوادي.

الفصل الرابع: الأعيان والعصرنة
عملت حكومة عبد الله ابراهيم على توجيه الاقتصاد نحو الصناعات الثقيلة وجعل القطاع الفلاحي في المرتبة الثانية لكن هذا التوجه جلب بعض الانزعاج السياسي والذي أفرز أيضا ظروفا مواتية للتحالف بين القصر والنخب المحلية ثم التخلي عن هذه السياسة بعد تولى القصر رئاسة الحكومة.
أخذ المغرب منذ بداية الاستقلال يبحث عن صيغة لإشراك العالم القروي ضمن المشاريع المبرمجة للنهوض بهذا العالم عن طريق مشاريع للتنمية كعمليات التشجير أو أوراش الانعاش الوطني.
كان الانعاش الوطني فعلا أداة بين يدي الملك لكي يضمن تحكمه في العالم القروي وذلك في مواجهة الاحزاب، وكذا ليتجنب إصلاح مختلف البنيات الهيكلية، وكان برنامج الانعاش القروي يشغل ما معدله 80000 قروي سنويا الشيء الذي أدى لتثبيت الساكنة في عين المكان ولو مؤقتا.
  الجانب التدبيري للإنعاش الوطني سمح للعمال للمطالبة باسترجاع الاراضي التي كانت في يد الحماية، وهي التي انتقلت ليد العمالات سنة 1963، لكن النزاع مع المكتب الوطني للري دفع العمال لقيادة المكاتب الجهوية للتنمية، وهكذا نجحت الدولة عن طريق عمال الاقاليم في مراقبة القطاع التقليدي وكذا القطاع الزراعي العصري.
الوضع الراهن الذي يضمنه النظام الملكي هو وضع ربما لا يستجيب تماما لتطلعات النخب المحلية. ذلك أن كبار المزارعين الذين يسعون لتحويل نفوذهم إلى سلطة اقتصادية سيظلون يتمنون على مدى الايام الخلاص بأقل تكلفة من الفائض السكاني الذي يضايقهم في التعاطي للفلاحة العصري، في حين ترى فئة أخرى أن تعميم الدولة لنظام الاجور إنما تمس سلبا بوضعيتهم، وتحرمهم من يد عاملة رخيصة الثمن.
عندما تولى القصر زمام السلطة 1960، كان مستندا على ظهر العالم القروي وأيضا على الجانب التقليدي، وذلك بهدف إعطاء الملكية حسب ما يبدو الوقت الكافي للعمل على تحديث البلاد.

1)     مدى النفوذ عبر النظام السياسي
عرف النظام الملكي في السنوات الاولى من الاستقلال كيف يقلب النسق التحالفي رأسا على عقب، وذلك من أجل ضمان سيطرة شبه مطلقة على الحكم، يمكن القول أن الاستقلال تحقق بفعل تحالف بين الملك وبين البورجوازية الحضرية النخب المثقفة والبروليتارية وكل ذلك في وجه سلطة استعمارية كانت تستند في حكمها على الاعيان القرويين والدينيين.
مع الحسن الثاني الذي خلف محمد الخامس بدت الرغبة الاصلاحية أكثر بروزا وكان الملك يريد أن يوظف الدعم الذي يتمتع به عبر البوادي، من أجل مباشرة سياسية الاصلاحات تلقى قبولا من لدن المزارعين.
مع عودة رضى كديرة إلى الحكم بجانب ولي العهد سنة 1960، شرع في العمل على مراحل من أجل مراقبة العالم القروي وذلك مع ايجاد المؤسسات التي تمكنه من بلوغ أهدافه السياسية على المدى الطويل، ويتعلق الامر بتقوية جانب الاتباع المتشبثتين بالأسرة المالكة.
نجاح استفتاء 7دجنبر 1962، والى فشل انتخابات 17 مايو 1963. ان النجاح الملكي الذي تحقق خلال الاستفتاء، كان يجب أن يستثمر من قبل منظميه في إطار عدة أصعدة لعل أكثرها أهمية بالنسبة لكديرة، كان ينصب في اقناع الملك بانه من الممكن أن يتخلى عن دوره التقليدي بصفته حكما، لكي يتحول بالتالي إلى شكل من الحكم يجمع بين الملك والرئاسة.
الاغلبية البرلمانية المنتخبة باسم الملك قد تفرقت من تلقاء نفسها وكان ذلك في البداية من داخل جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، ثم بحزب الشورى والاستقلال وحتى بالحركة الشعبية، واصبحت مكتفية بالاستفادة من أفضال الملك عليها في الوقت الراهن أو في الماضي أو المستقبل.

2)     مكانة الامازيغ في إطار نظام النخب المحلية
مشكل العلاقات بين النظام الملكي والعالم الامازيغي وسيكون من قبيل الوهم أن ننكر هذا المشكل أو أن نجعل منه المحرك النابض الوحيد من وراء سياسة ما.
مكانة الامازيغ ضمن النظام السياسي المغربي لما بعد الاستقلال هي مكانة تبقى متسمة بالغموض و إن من شأن تقديم تحليل تبسيطي أن يميل الى تقديم هؤلاء الامازيغ  باعتبارهم يكونون الدعامات السياسية الاساسية للمخزن الجديد.
فمن غير الممكن لأي واحد أن يضع الامازيغيين تحت الوصاية من أجل تعاونهم فهم لن يقبلوا الانصهار باسم بعض المبادئ التي لا صلة لهم بها إلا بشكل محدود في كيان وطني وشمولي موحد وممركز.
ظل الحسن الثاني قبل توليه العرش يترك الانطباع بانه كان يريد احياء السياسة الامازيغية  من جديد، فقد كان العالم القروي المعروق بوفائه للعرش يجسد توازنا مع الحواضر القديمة المعروفة بميلها للمعارضة، وكأننا بالنظام الملكي يريد أن يتسلم بيد ارث الحماية التي كانت شمسها اخذة في الافول.

3)     المثقفون ذو النفوذ
قام النظام الملكي على تبني الاعتراف بوجود هؤلاء المثقفين التقليديين، ثم العمل على انصهارهم ضمن جهاز الدولة حتى يغدو من السهل عليها مراقبة العالم القروي بواسطتهم. ونشير هنا إلى مثال الشريف الكتاني.
القسم الثاني: لمحة حول الجغرافية السياسية للمغرب الإقليمي

يضم هذا القسم ثلاث فصول:
•       الفصل الخامس: أقاليم الشمال وتشمل مدن طنجة وتطوان والناظور والحسيمة.
•       الفصل السادس: الجنوب والجهات الشبه الصحراوية، وتشمل مدن مراكش، أكادير، وقصر السوق إلى حدود طرفاية[4]
•       الفصل السابع: المغرب النافع: ويضم مدن الساحل الأطلسي الغربي والحواضر التقليدية كفاس ومكناس والأطلس المتوسط والشرق.

ينطلق هذا القسم من سؤال مفاده، كيف حل النظام الملكي محل الإدارة الفرنسية في القيام بدور الحامي والمؤطر للنخب المحلية؟
يهدف القسم الثالث إلى تقديم توصيف جغرافي خاص بالنخب المحلية عبر جهات المغرب، قبل القيام بإجراء تحليل شمولي لهذه النخب بالإعتماد على توصيف المترشحين للإنتخابات التشريعية ماي 1963, في القسم الثالث.
إن التحليل الجغرافي الخاص بالمترشحين لتشريعيات 1963، يوضح منذ البداية أهمية المعرفة التقليدية ( التخرج من مدارس وجامعات التعليم الديني التقليدي) باعتباره عاملا مؤثرا في شأن الانتماء إلى النخب المحلية، هذا العامل يتحالف مع عامل الثروة العقارية ومع المهام الإدارية أو السياسية للمترشح.
هذه العوامل تختلف من منطقة إلى أخرى داخل المجال المغربي، فمثلا أهمية الملكية العقارية تبقى مقرونة أحيانا مع ملكية رؤوس الماشية وملكية حقوق الماء، كما أن الفلاح المنتمي للنخبة المحلية عمل على تنويع مصادر دخله فبالإضافة إلى ما سبق نجده يشتغل في التجارة أو النقل او بحوزته ملكيات عقارية داخل المدن.
الفصل الخامس: أقاليم الشمال
تمتاز هذه المناطق بخضوعها لمجموعة من التأثيرات، أهمها:

ــ أنها منطقة ظلت طيلة 45 سنة مفصولة عن الجنوب
ــ  ظلت بعيدة عن تأثير المدن الساحلية الغربية، بفعل قوة تأثير مدينة تطوان
ــ  ظلت مدينة طنجة تقوم بدور اقتصادي شبيه بدور مدينة الدارالبيضاء في الجنوب
ــ دور سبتة ومليلية الاقتصادي المتداخل مع جهات الشمال رغم كونهما تحت النفوذ الإسباني

إن مناطق الشمال سوف تعيش وضعا مغايرا إبان عهد الإستقلال، لذلك الوضع الذي كانت تعيشه خلال فترة الإستعمار الإسباني، فقد عاشت بعد الإستقلال وضعا انتقاليا من الوضع الإستعماري الذي كان أقل تضييقا من نظيره في الجنوب الخاضع للنفوذ الفرنسي، إلى وضع جديد تحكمه نخب إدارية قادمة من مدن الجنوب، والتي حاولت إعطاء هامش كبير من الحرية في ما يخص بعض الأنشطة المشبوهة تعويضا للقمع الذي واجهت به ثورة الريف، وتعويضا كذلك عن الأوضاع المزرية التي عاشتها هذه الأقاليم عقب الإستقلال.

كل هذه العوامل جعلت من النخب في منطقة الشمال مختلفة تماما عن النخب الجنوب، وذلك بفعل عدة عوامل أهمها التأثير الثقافي الخاص والقريب من الثقافة الإسبانية، والإنعزال الجغرافي والسياسي الذي ظلت ترزح تحته لسنوات.
الفصل السادس: الجنوب والجهات الشبه صحراوية
على رغم تشابه الأوضاع الاقتصادية والإجتماعية لكل المناطق والأقاليم (الاكتظاظ السكاني، الهجرة، الإرتباط بالفلاحة العتيقة...) إلا أن جهة الجنوب والجهات الشبه صحراوية تبقى مختلفة عن أقاليم الشمال، ذلك أنها ذات خصوصية منفردة أهمها خضوعها لحكم القياد الكبار في الفترات القريبة السابقة. والذين ظلوا يكرسون سياسة استبدادية خاصة في ما يتعلق بامتلاك الأراضي.
النخب في منطقة الجنوب والمناطق الشبه صحراوية هي في الغالب منحدرة من العائلات القيدية التي تكونت من قياد كبار ظلوا يكرسون سياسة السيطرة على كل الثروات وخاصة الأرض، وهؤلاء الأعيان خلفوا أبناء اعتبروا من الذين دخلوا السياسة في الغالب تحت مظلة جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية ( الفديك).
هذا الوضع حاول أنصار حزب الإستقلال تغييره بعد الإستقلال، ورغم ذلك ظل قائما. وبالتالي فإن النخب المرشحة لآنتخابات 1963 إما أن تكون حليفة لنظام الكلاوي الذي يمثل القياد الكبار أو معادية له.
الفصل السابع: المغرب النافع
يضم هذا الفصل مدن الساحل والحواضر التقليدية والأطلس المتوسط والشرق، والسبب في تجميع هذه المناطق هو وجود نوع من الوحدة الثقافية، وتأثير الثقافة الفرنسية، وكذا وجود نوع من التنويع الاقتصادي ودخول اقتصاد السوق إليها.
إن ما يميز هذه المناطق والنخب الموجودة فيها، هو ذلك النوع من التضامن الإثني الذي يربط سكانها، مما شكل عائقا وكابحا أمام توغل النخب الحضرية عبر الوسط القروي.
أما في المدن، فإن النخب الحضرية هي في الغالب من أسر برجوازية مختلفة المشارب، في ظل غياب نخب سياسية تمثل الفئات المهمشة، هذه الفئات في بعض المناطق كانت توجد بالضواحي.

القسم الثالث: تحليل كمي لعوامل الانتماء إلى مجموعات النخب المحلية.
ينقسم هذا الفصل الى اربعة فصول يحاول من وراءها الكاتب تسليط الضوء على عدة عوامل مساهمة في تحديد النخب المحلية، ومحددة للتراتبية الانتخابية بين الاحزاب السياسية المشاركة في انتخابات 1963. وذلك من خلال بسط تحاليل كمية تعتمد على نتائج تقصي ميدانية مبنية على الطريقة الكمية الاحصائية في التعرف على عديد من النقط. سواء ما تعلق السن أو التعليم شقيه التقليدي والعصري، وكذلك من خلال تبيين العلاقة الحاصلة بين السلطة والموارد الطبيعية منها الارض والماء.
الفصل الثامن: السن عامل يكتنفه الإلتباس.
يبرز الكاتب من خلال هذا الفصل دور السن في تحديد الثقافة السائدة، وذلك بالاستشهاد بنتائج حية وميدانية من خلال امثلة تبين ان الذي مر بعدة محطات كبرى مثل الحربين العالميتين وشهد متغيرات كثيرة ليس له نفس التفكير مع من لم يحضر سوى مرحلة المقاومة الوطنية وتقديم وثيقة الاستقلال.
الفصل التاسع: التعليم عامل للتمايز بين مختلف فئات الطبقات والاعيان.

يشخص الكاتب من خلال هذا الفصل دور التعليم التقليدي في بلورة افكار تتماشي مع بعض التيارات الفكرية والاحزاب السياسية، مركزا على ان حزب الاستقلال هو اكبر المستفيدين من هذا التعليم حيث يضم بين مترشحيه اكبر عدد من الافراد الذين تلقوا دروسهم في المدرسة التقليدية.
يقدم أمثلة عن نسب كبيرة توضح مدى تعاطي وتماشي الاوساط القروية مع النمط التقليدي، اما بخصوص التعليم العصري فقد رسخته المدرسة الفرنسية زمن الحمايّة، مما خلق مجموعات من الافراد ذات التكوين العصري ، لكنها لم تلقى استجابة في الاوساط القروية ، المقابل كان لها صداها في الوسط الحضري على الرغم من كون نسبة المتمدنين اقل من القرويين، اما ما يتعلق بالحزب الذي يضم اكبر عدد من هذا النوع فهو حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي انشق عن حزب الاستقلال سنة .1959.
يظهر بأن تأثير الإستعمار الإسباني في الشمال كان بسيطا بالمقارنة مع الاستعمار الفرنسي، هذا ما جعل الشمال يتقبل اللغة الاسبانية عبر الاحتكاك ، لكن في الجانب الفرنسي كانت محاولات للتوغل عبر التعليم ، هذا ما جعل بعض المدارس التقليدية تحافظ على مكانتها عر تدريسها للثقافة الدينية،
كم ان المترشحون المتعلمون يوجدون بشكل يكاد يكون حصريا بالدوائر الإنتخابية الحضرية ، بالمقابل بعض الدوائر الانتخابية بالشمال تبدوا خالية من المتعلمون.
ان المعطيات التي نتوفر عليها بين ايدينا حول اللغات المكتوبة عند المترشحين، تتبث في مجموعات تلك الخلاصات التي يمكن ان تخرج  بها انطلاقا من لغات التحدث، فهناك أكثر من النصف من بين المترشحين، لا يكتبون إلا اللغة العربية، والربع فقط، من بينهم يكتبون  باللغة الفرنسية والعربية.
كذلك إجادة اللغة الفرنسية لا يعد عامل نجاح بالنسبة لحزب الاستقلال، اما حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية فهي من عوامل النجاح لديه.
أما ما يخص اللغة الاسبانية فهي كانت تكتسب عبر الاحتكاك الناس ويقبل عليها الناس فيما ان اللغة الفرنسية كانت تدرس في فثرة الحماية.

الفصل العاشر: المشاركة الاجتماعية والسياسية.
يبرز من خلال هذا الفصل الدور المركزي الذي يلعبه الشيخ أو المقدم، الاضافة الى مؤسسة الجماعة في تأثيث المشهد السياسي المغربي، نظرا لكون الشخصيتين المذكورتين لا يرتبطان وفقط بالنظام البيروقراطي بل انها مهمة تناط بأفراد من أصحاب النفوذ بالنظر إلى ثروتهم أو الى الإعتبار الذي يتمتعون به، مما يخلق حدا فاصلا بين المساهمة السياسية وبين الفئات السوسيومهنية.

هناك فئات انتهازية لم تشارك في الظفر الاستقلال في حين ان اغلب المشاركين والذين قدموا تضحيات تعرضوا للقمع والنفي، وامتدت شبكة الاعيان فيما بعد لتحتكر المشهد من جديد وكأن شيئا لم يحصل في حين أن من هؤلاء الاعيان من كان يخدم ضمن السلطات الاستعمارية في وعي منه او دون وعي.

ان السمة الغالبة على التفكير القروي بدرجة كيرة ما يعرف بالتقليد العائلي،حيث أن الفرد في المجتمع المغري لا يكاد يكون له وجود خاص به، بحيث ان اواصر التضامن في الجماعة غالبة ويطغى عليها عامل التعصب للقبيلة والجماعة على الفرد ، هذا يجعل من الذي يحمل افكارا فردانية صعوبة في التواصل الجيد والاقبال عليه من المجتمع الذي يتسم بالوعي التقليدي اي الوعي الجمعي.
يتميز الوعي القروي بسيادة أسر الشرفاء، وغلبة أواصر القرابة على التكوين السياسي المتميز. هذا ما يؤثر على مسالة التزكية عند الاحزاب السياسية التي ترتكز على مكانة الشخص العلمية والرمزية او كفاءته النضالية.
كما بين الادوار التي تلعبها النقابات والزوايا والجمعيات التي هي الاخرى تساهم في المشهد السياسي المغربي لكن لا تكاد تكون الا ارقاما هامشية نظرا لسيادة الوعي التقليدي الذي يجعل المجتمع جامدا امام افكار لا تخرج عن منطق تقديس السلطة المركزية المتمثلة في القصر.

الفصل الحادي عشر: تحكم السلطة والموارد المحلية.
تعتبر السيطرة على الاراضي ووسائل الانتاج هي الاخرى من العوامل التي ساهمت في ظهور طبقة أخرى الى المشهد السياسي، توازن الطبقة التي كانت تتعرض للاعتقالات، حيث عملت على تنمية مواردها وثرواتها دون إيلاء أي اهمية سياسية لبقية المجتمع، مما جعل السيطرة على الاراضي وعلى عوامل الانتاج الاخرى ذات اهمية ، والارض تعد بمثابة عامل كبير الاهمية في نطاق السلطة بالإضافة للتجارة وباقي العوامل الانتاجية الاخرى.
فالقرويون الاعيان، ساهموا في المحافظة على الثقافة التقليدية الانبطاحية وقاموا بتعزيز تدخل السلطة المركزية في الحياة القروية، مما ساهم في الحفاظ على البنيات العامة للدولة، وقد كانت الدولة واعية بهذا الدور الذي تلعبه القرى مما جعل الملك الحسن الثاني يسير على نهج والده عن طريق الاعتناء الفلاحين واعفائهم من الضريبة حثى سنة 2000. لأنه كان يعلم انهم هم من يدافعون عنه.
ما يمكن ان نستخلصه من خلال هذا الفصل هو ما تعرض له الكاتب عبر بسط افكاره لكن بطريقة ذكية جدا ، حيث انه لم يصل الى النتائج وما يريد تمريره من خطاب حول المجتمع الا بعدما عمل على تشخيص الواقع وذلك بمعطيات دقيقة جدا تكاد تكون احصائية ، لا تدع مجالا للشك.
 يقدم بعض الارقام المتعلقة بالسن والتعليم وكذا توزيع المترشحين في الاحزاب السياسية ونسبة المتكلمين باللغة العرية والفرنسية والتعريف بالأحزاب المتواجدة في تلك الفترة وبيان مرجعيتها ، ليسهل عليه في الاخير اقناع القارئ بطرحه حول نقطة مركزية تكاد تكون صلب وجوهر فكره في الكتاب الا وهي، " ان التقليد يقف حجر عثرة امام التغيير".
مبرزا ذلك في كون الفكر التقليدي هو فكر انبطاحي لا يتعدى ان يكون فكرا اصلاحيا، اما الفكر العصري والذي كان قليلا فهو فكر مبني على التغيير الجذري، مما تعارض مع واقع المجتمع المغربي، هذا الاخير الذي كان سهلا للتحكم من طرف المؤسسة الملكية التي استطاعت ان تنقل الصراعات ما بين القبائل الى صراعات فكرية مرجعية ما بين الاحزاب السياسية.
بالمقابل المجتمع القروي الذي تسود فيه الافكار التقليدية لم ينتبه لهذا العمل السياسي المحنك الذي يقوم به الملك من اجل خلق فرقة ما بين الاحزاب لا يمكن ان تتوحد يوما لمجابهته، ايضا الفلاح القروي كان دائما يعزي كل فشل للسلطات التي تحكم عن طريق الانتخابات، فيما أن القصر يعد بالنسبة اليه بمثابة  ذلك الحكيم الذي يلجأ اليه دائما لحل النزاعات بين الاحزاب السياسية، والعرش السلطاني بالنسبة للفلاح المغربي له رمزيته التي يستمدها من عدة معطيات تاريخية ودينية وسياسية.

قراءة نقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدية
1)   السياق التاريخي لقضايا للكتاب
إن السياق التاريخي لقضايا الكتاب يمكن أن نرجعه إلى البدايات الأولى لفترة الحماية الفرنسية، والتي كانت قد اتخذت سياسة تشكيل نخب جديدة تكون في خدمة الاستعمار.
شكل إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم نقطة فاصلة في تاريخ المغرب المستقل، حيث ستدخل البلاد بعدها في مسلسل ظل القصر يخرج جميع حلقاته بدءا من دستور 1962، والذي جاء مغايرا لتوجهات واختيارات قوى المعارضة.
2)     تكوين نخب جديدة:
إن سياسة تكوين نخب خاضعة وخانعة طيعة في يد النظام الملكي جاء بعد التوجهات الجريئة التي أعلنت عليها حكومة عبدالله إبراهيم سنة1958، والقائمة على بناء صناعة وطنية ثقيلة وإصلاح زراعي وتعميم للتعليم والخدمات الصحية وتأميم الشركات والمؤسسات الاقتصادية والخدمية وبناء للبنيات التحتية.
هذه السياسات الإصلاحية رأى فيها البعض أنها بادرة لتكوين نخب جديدة قد لا يتلاءم تفكيرها وتوجهها السياسي مع أفكار النظام الملكي المتحكم في كافة السلطات.
لقد جعل النظام المخزني في عهد الراحل الحسن الثاني من القرى والبوادي جيوشا جرارة يحسم بها الصراع الانتخابي ضد المعارضة وذلك بعد أن مارس عليها سياسات التفقير وجعل منها مرتعا للجهل والأمية والخرافة.
لقد ظلت السياسة المخزنية تستهدف تقوية قبضتها الإدارية على القرى، وفي المقابل أطلقت يد النخب السياسية الموجودة في البوادي لامتلاك الضيعات الكبيرة والحصص المائية، بل إن سياسة السدود جاءت في شق كبير منها لخدمة هؤلاء وسخرت لهم كل الوسائل من دعم مادي وتقني ورفعت عنهم الضرائب وهم الذين يراكمون الثروات الطائلة.
أما في المدن فإن جزء كبير من النخب السياسية الجديدة ينحدر من البوادي وجزء كبير من صنيعة النظام نفسه، الذي كون أحزاب إدارية جديدة على مقاس وزارة الداخلية.
وفي المقابل عمل النظام على تحجيم النخب الحضرية ذات التوجه الوطني واليساري، وصمم قوانين انتخابية تجعل من الصعب إن لم نقل من المستحيل عليها تكوين أغلبية قادرة على الوقوف في وجهه.
إن أطروحة الفلاح المغربي المدافع عن العرش هي بمثابة تشخيص للوضع الميداني للحياة الاجتماعية والسياسية بالمغرب، يوضح كيف عمل النظام خطة عمل مكنته من تحجيم النخب الحضرية ذات التوجه المعارض، وفي الآن نفسه فتح المجال لعودة النخب القروية التقليدية التي كانت في وقت سابق عميلة للاستعمار، من أجل الدفاع عن ديمومة العرش.
 
خلاصات
تقدم لنا أطروحة الفلاح المغربي المدافع عن العرش، قراءة اجتماعية وسياسية مفصلة للواقع المغربي إبان فترة شكلت ولازالت تشكل فترة يكتفها الغموض الشديد، بحكم قوة التيارات السياسية والتجاذبات الاجتماعية التي ظهرت على سطح الأحداث في المغرب المستقل.
وهي أحداث عبرت عن توجهات مختلفة، اختارها الفاعلون السياسيون لتكون الطريق الذي يسير عليه المغرب وفق لقناعات شخصية نابعة من تأثيرات عديدة، وهو ما ترجم في صراع قوي استعملت فيه كل أشكال الإقناع، السياسي والفكري وحتى التصفيات الجسدية.
رغم كل هذا الخضم الفكري والسياسي المعبر عن توجهات الفاعلين السياسيين، إلا أن ريمي لوفو، استطاع بذكاء حاد وتبصر، أن يشخص الوضع تشخيصا دقيقا معتمدا في ذلك على منهجيات اجتماعية، توظف الإحصاءات والبيانات الدقيقة من أجل الخروج باستنتاجات سليمة.
اتضح للكاتب بأن القصر امتلك خطط سياسية غاية في الدهاء، جعلت منه يبسط سيطرته على الوضع السياسي، من خلال عملية إنتاج نخب سياسية تتحمل عبء الدفاع عنه بشراسة دون الحاجة إلى الظهور في الصورة، فاقتصر ظهوره باعتباره ضامن الوحدة والإستقرار في المملكة الشريفة.
إن أطروحة ريمي لوفو، تزكي إلى حد بعيد عمق الدراسات الأجنبية، والفرنسية بالخصوص، التي استطاعت تقديم قراءات متبصرة للوضع المغربي، قراءة كنا ولإزالنا عاجزين عن تقديم أمثالها، وبذلك تكون دراسة الفلاح المغربي المدافع عن العرش، قد أسست لتوجه أكاديمي وقراءة سياسية اجتماعية حاولت دراسات أخرى النهج على منوالها في نقد الوضع السياسي المغربي، كدراسة الأمريكي جون واتر بوري " أمير المؤمنيين" والفرنسي جيل بيرو " صديقنا الملك"، وكاثرين كارسيي وإيريك لوران "الملك المفترس".

[1]-  http://www.bibliomonde.com/auteur/remy-leveau-33.html تاريخ الإطلاع يوم 01-01-2017
[2] - Le Fellah marocain défenseur du Trône  (Presses de Sciences Po, 1976, 2e édition 1985) : Une analyse de la manière dont Hassan II a assis son pouvoir face aux courrant modernistes de la société marocaine.
[3] -واتر بوري، أمير المؤمنين، الملكية والنخب السياسية المغربية، ترجمة عبد الأحد السبتي وعبد الغني أبو العزم وعبد اللطيف الفلق، نشر مؤسسة الغني للنشر، الرباط، ط 1، 2004، ص7
[4]  - غياب المناطق الصحراوية نظرا لكونها لاتزال تحت السيطرة الإسبانية

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث