الأحد 20 آب

أنت هنا: الصفحة الرئيسية اجتماع ونفس علم الاجتماع تصور روبير مونتاني للقبيلة في المغرب: من الأمغار إلى القائد وهيمنة المخزن ـ عبد العاطي أوحسين

علم الاجتماع

تصور روبير مونتاني للقبيلة في المغرب: من الأمغار إلى القائد وهيمنة المخزن ـ عبد العاطي أوحسين

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

anfasse10027
  يتضح تصور روبير مونتاني  R . Montagneللقبيلة  في كتابه البربر والمخزن، ومن خلال هذه الدراسة اتخذ قبائل منطقة سوس بالجنوب المغربي كنموذج لدراسة القبائل البربرية. وتعد نتائج هذه الدراسة من الركائز الأساسية التي اعتمد عليها المستعمر الفرنسي  لاحتلاله للمغرب، باعتباره مجتمعا قبليا لما له من خصوصيات تقليدية، يصعب على المستعمر اختراقه وغزو بنياته القبلية الرافضة للتدخل الأجنبي إلى مجال عيشها، مما دفع المستعمر – تفاديا للتجربة الدموية بالجزائر - إلى بلورة إستراتجية الاختراق من خلال استخدام فرضية التعارض بين البربر والعرب.

إن ما يهمنا اليوم، نحن كباحثين في ميدان العلوم الاجتماعية ليس الغاية السياسية للمستعمر من دراسة روبير مونتاني، بل تلك الحقيقة الموضوعية لواقع القبيلة البربرية وخصوصياتها الثقافية و الاجتماعية التي تتضمنها هذه الدراسة. لهذا، يجب أن نكون في غاية الحياد و تجنب العاطفة، و استقراء ما هو مفيد علميا في قراءتنا لمثل هذه الدراسة التي كانت خلفية سياسية للاحتلال الفرنسي، وعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار الأهمية المنهجية التي تتسم بها هذه الدراسة، حيث شارك و لحظ عادات و تقاليد القبائل و نمط عيشها، يمكن اعتبار ذلك بمثابة العمل الانثروبولوجي و الاثنوغرافي.[i]


 فمصداقية نتائج هذه الدراسة تكمن في مدى اعتماد المستعمر عليها كمفتاح من مفاتيح التي سهلت احتلاله لهذا المجتمع. فلو كانت نتائجها يشوبها الغموض وعدم يقينها، لن يكن للمستعمر أن يضعها على مقدمة مخططاته الاستعمارية، فحقيقتها هي التي دفعت بفرنسا الاعتماد عليها لفهم واقع حياة القبائل البربرية لتسهيل الولوج إلى هذا البلد. و تتضمن الموضوعية العلمية للدراسة في نشرها وتقديمها للقراء، و ليست كوثيقة سرية للمستعمر يصعب للقراء و الباحثين التوصل إليها. فهي بمثابة أطروحة متوفرة على رفوف المكتبات والخزانات، يمكن لأي كان الحصول عليها، وقراءتها، والاستعانة بها في البحوث التي تسير في نفس منوال هذا الموضوع.

     ففي هذه الدراسة، انطلق روبير مونتاني من تصور مسبق استنبطه من نموذج القبيلة الأوروبية قبل أن تندثر تحت ضربات الرومان وإمبراطورياتها. فهذه القبيلة لم تكن تتعلق بالترحال، بل بالأرض و زراعتها و متشبثة بالاستقلال عن كل حكم مركزي. فيرى معظم الباحثين أن هذه  الجمهوريات الصغيرة لازالت قائمة في جبال الأطلس، متحدة فيما بينهما حول الملكية الجماعية للأرض.[ii] فمن خلال هذا التصور للقبيلة الأوروبية، سيقوم روبير مونتاني بإبراز تلك التحولات السياسية التي عرفتها القبائل البربرية بالجنوب المغربي، إذ يحاول و صف المراحل التي مرت منها الوحدة القبلية التي خصصها في أربع مراحل: الأولى مرحلة الجمهورية المستقلة، لا تخضع لقوانين الدولة المخزنية بقد رما تخضع و تنتظم وفقا للعادات و تقاليدها، و تعتبر فيها مؤسسة جماعة المؤسسة التي تدبر شؤون حياتها، و يكون الأمغار على رأسها، يتم اختياره بشكل ديمقراطي، فهو الآخر يخضع للقوانين التي تتفق عليها مؤسسة أجماعة. فبعد هذه المرحلة تليها مرحلة الزعامات الاستبدادية، التي تحول فيها الامغار إلى قائد مستبد يستحوذ على الأراضي و الأملاك باستخدام القوة. فهذه المرحلة ليست إلا بمظهر من مظاهر سياسة تدخل المخزن و سيطرته على القبائل، تسمى هذه المرحلة حسب مونتاني بمرحلة الخضوع وسيطرة المخزن، مما فتح الضغط المزدوج للزعامات الاستبدادية و المخزن على القبائل.

فالمرحلة الأولى أي مرحلة الجمهوريات البربرية، تتميز حسب روبير مونتاني بسيادة الديمقراطية و المساواة بين عناصر القبيلة، بالرغم من انقسام اللف ( الاتحاد القبلي) إلى قسمين أو حلفين متعارضين يدخلان في صراع، إلا أن هذا الصراع والتعارض يختفي كلما تعادلت كفة الحلفين المتعارضين و يبدأ التوازن من جديد و ضمان استمرار الحياة القبلية. فذلك ما يسميه روبير مونتاني بالفوضى المنظمة، وتكون مؤسسة أجماعة في هذه المرحلة هي التي تقوم باتخاذ القرارات الأساسية، و الامغار يتكلف بتنفيذها، وهو أيضا كما قلنا سابقا يخضع لهذه القرارات، مما اعتبر مونتاني هذه القبائل بمثابة الجمهوريات الديمقراطية. من خلال هذه الخصوصيات التي تتميز بها هذه القبائل، نجد لدى روبير مونتاني بعدا نظريا وظيفيا، يتجلى  في أن الصراع بين الحلفين ليس دائم الاستمرار لأنه يختفي كلما تعادلت كفة الطرفي ليسود التوازن من جديد. فاللف بمثابة النسق العام الذي يضم مجموعة من القبائل أي الأنساق الفرعية بتعبير مفاهيمي للاتجاه الوظيفي،[iii] يضمن التوازن و الاستقرار في البناء القبلي.

من ناحية أخرى يحاول مونتاني رصد أهم مكونات البناء الاجتماعي والسياسي للقبائل البربرية التي تتميز بها في هذه المرحلة، إذ ينطلق من أصغر جزء إلى أكبر جزء:    

الكانون:  كأصغر وحدة اجتماعية، وهو الأسرة.
الدوار:  يضم من عشرين إلى ثلاثين كانون.
الفخدة:  تضم ثلاثة أو أربعة دواوير.
الفرقة:  تضم ثلاثة أو خمسة افخاد.
القبيلة:  تتكون من ثلاثة عشر فرقة أو اثني عشر فرقة، يظهر اتحادها بعد مواجهة التهديد الخارجي.
و أخيرا اللف القبلي:  وهو تحالف يجمع بين عدة قبائل في إطار اتفاقية الدفاع المشترك. [iv]

إن ما يعزز الاتحاد فيما بين القبائل  ليس هو ما يتوهمون ، أي الجد المشترك، وإنما تعايشهم على أرض واحدة مشتركة. فالاتحاد القبلي يرتبط بالأرض، أي بما هو ايكولوجي.

و فيما يخص  المرحلة الثانية، أي مرحلة سيادة الزعامة الاستبدادية، يوضح روبير مونتاني كيف برز الزعماء المستبدون. يتغلب أحد الحلفين المتعارضين على الآخر إذا كان الامغار ينتمي إليه، و هنا ستصبح السلطة في يد الفرد على اللف. و يرتبط اللف أو الاتحاد القبلي  بوظيفة مغايرة لتلك التي كان يقوم بها، حيث أصبح يؤدي إلى مصادرة الصلاحيات المخولة لمؤسسة جماعة، و احتكار وسائل تدخلها من لدن الامغار، و ذلك انطلاقا من استحواذه على الذعائر المفروضة على الجناة داخل القبيلة. و من هنا يصير الذي كان بالأمس منفذا صاحب السلطة التشريعية و التنفيذية في آن واحد. فهذا الانتقال الذي عرفه الامغار من الفاعل الديمقراطي المكتفي بتنفيذ القرارات إلى فاعل مستبد، لم يتم  في نظر مونتاني إلا بخطط مخزنية لتعزيز سيطرته على القبائل، إذ يبحث باستمرار على دفع هذه القبائل إلى إتحاد تحت زعامة شخص واحد، و ذلك، بالتقاء المصالح بين الامغار المستبد والمخزن. فيسهل ذلك الإتحاد التدخل وسيطرة المخزن على اللف، و يتم تذويب الامغار في سلطة المخزن ليصبح قائدا مخزنيا ينفذ قوانين الدولة، و بهذا يتلاشى النظام القبلي بمفهومه الطبيعي و يصبح الحكم للمخزن، و هذا ما يسميه بمرحلة سيطرة المخزن و بروز الدولة.[v] و قد خلص روبير مونتاني إلى العداوة البنيوية بين القبيلة و المخزن من حيث تعارض طموحاتهم. فإذا كانت القبيلة تسعى إلى استمرار استقلالها الأزلي، فالثاني يتقدم إلى إنشاء دولة تحت سلطة السلطان.

     من خلال ما تقدم، نجد أوجه الشبه بين التصور الخلدوني و تصور مونتاني للقبيلة خاصة في ما يسمى بالاتحادات القبلية، و كيف تتشكل، و يظهر التوازن، و فيما يخص تخلي الامغار عن حلفائه و مناصريه بعد الإمساك بزمام الحكم و القضاء على منافسيه، و انفراده بالسلطة بعد إزاحة الأتباع و التخلص من ضغوطهم، نجدها لدى كل من إبن خلدون و روبير مونتاني. فـإن دل هذا التشابه على شيء، إنما يدل على قراءة مونتاني لمقدمة إبن خلدون قبل دراسته لهذه القبائل. غير أن، اختلاف بين إبن خلدون و روبير مونتاني، هو كون الأول يعتبر هيمنة الدولة نتيجة الصراع بين المجتمع البدوي الصاعد والمدينة المنهارة، بينما يرى مونتاني  أن هيمنة الدولة ناتج عن صراع المخزن وبلاد السيبة البربرية.

قد تعامل روبير مونتاني مع القبائل البربرية تعامل المنقب مع الحفريات التي لا ارتباط لها إلا مع الماضي الغابر. فإن اعتراف معظم الباحثين( كعبد الله العروي )بأهمية أبحاثه حول القبيلة يرجع إلى العدة المنهجية القوية و الرصينة التي اعتمدها في أبحاثه بالرغم من كونه عضوا في الإدارة الكولونيالية.

[i]   محمد قسطاني، "النظريات الاجتماعية البنيات التقليدية المغربية"،مجلة فكر ونقد، العدد السابع، 1998 ص 35-46.
[ii] محمد مباركي،بعض المعطايات حول الدولة والمجتمع خلال المغرب القديم، الدار البيضاء افريقية الشرق،1992 ص114.
[iii]  المختار الهراس ، القبيلة و السلطة تطور البنيات الاجتماعية في شمال المغرب، مطبعة الرساالة , الرباط. 1986 ص 28.
[iv] R.Montagne ,les berbères et le Makghzen dans le sud du Maroc : essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires , Alcan,paris, 1930.
[v] R.Montagne, Ibid.

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث