الأحد 20 آب

أنت هنا: الصفحة الرئيسية اجتماع ونفس علم الاجتماع حول مفهوم الوعى الاجتماعى Social Consciousness ـ د. فرغلى هارون

علم الاجتماع

حول مفهوم الوعى الاجتماعى Social Consciousness ـ د. فرغلى هارون

интересные фильмы в хорошем качестве онлайн
Joomla скачать

abstract forest
يعتبر موضوع الوعي الاجتماعي من الموضوعات السوسيولوجية ذات الأهمية القصوى فى حياة الأفراد والمجتمعات على السواء؛ فالوعى هو نتيجة للتفاعل بين أنفسنا وعالمنا المادى المحيط بنا، وهو يلعب دوراً هاماً فى التطور الاجتماعى، سواء كان هذا الدور إيجابياً أو سلبياً، فالأفكار التى توجد لدى الناس قد تساعد على تطور المجتمع أو قد تكون عائقاً أمام هذا التطور.
ولمصطلح الوعى تاريخ ممتد فى الفهم البشرى للذات والعالم. " ويستخدم مصطلح الوعى بطرق عديدة: لوصف شخص أو مخلوق آخر بكونه متيقظاً وحساساً، ولوصف شخص أو مخلوق آخر بكونه يدرك شيء ما، وللإشارة إلى خاصية من حالات الذهن مثل الإدراك والإحساس والتفكير والتى تميز هذه الحالات عن حالات الذهن غير الواعية."([1])
ويشتق مفهوم الوعى فى اللغة العربية من الفعل وعى، فقد " ورد فى قاموس محيط المحيط، وعى الشيء والحديث يعيه وعياً: حفظه وتدبره وقبله وجمعه وحواه، وأوعى الشيء والكلام: حفظه وجمعه، ووعى الغلام: ناهز الإدراك. فالوعى يعنى لغة الإحاطة بالشيء وحفظه واستيعابه والتعامل معه أو تدبره. إنها حالة إدراك الشيء وتعقله."([2])

ويشير الوعى إلى " إدراك الإنسان لذاته ولما يحيط به إدراكاً مباشراً، وهو أساس كل معرفة. كما يشير الوعى إلى الفهم وسلامة الإدراك، ويقصد بهذا الإدراك إدراك الإنسان لنفسه وللبيئة المحيطة به. ولعل هذا يعنى فهم الإنسان لذاته وللآخرين عند تفاعله معهم سعياً لإشباع حاجاته، وقضاء مصالحه وهو مدرك للعلاقات بينه وبين الآخرين والبيئة من خلال المواقف المختلفة."([3])

أما فى اللغة الإنجليزية، " فترجع كلمة الوعى Consciousness إلى الكلمة اللاتينية Conscientia والتى تعنى حرفياً المعرفة المشتركة Shared Knowledge. إن الوعى ظاهرة متعددة الأوجه، وتُستخدم العديد من المصطلحات لوصف جوانبها المختلفة، مثل Consciousness, conscious, aware of, experience، فكل هذه الكلمات لها معان مختلفة فى سياقات مختلفة وبالنسبة لأشخاص مختلفين، وبالتالى فإن التعميمات حول معناها يصبح بالضرورة محدود القيمة."([4])

وغالباً ما تُستخدم كلمتى "Awareness" و"Consciousness" على نطاق واسع باعتبارهما مترادفتان، ولكن " من الأفضل فهمها على اعتبار أن الأخيرة هى شكل خاص من أشكال الأولى ... فى الواقع فإن كلمة "aware" مشتقة من الأصل الأنجلوسكسونى "gewaer" والتى تعنى شيئاً مثل أن تكون على علم being informed أو أن تعرف to know، فالمعنى الأصلى لكلمة awareness يتصل باكتساب الخبرة وبالخبرة نفسها. بينما الأصل اللغوى لكلمة consciousness تشير إلى معنى أكثر تحديداً، وهى تتألف من الكلمتين اللاتينيتين "cum" و"sciere" والتى يمكن ترجمتها إلى أن تعرف عن to know about، والتى تشير إلى بعض الخصائص الانعكاسية للوعى بالنظر إلى الخبرات.([5])

كما " يشير مصطلح الإدراك Awareness إلى المعالجة التى تحدث نتيجة تفاعل النظام العصبى للحيوانات مع بيئتها. والتى تظهر فى قدرة الحيوان الأساسية فى الرد على المحفزات البيئية. وهذا المصطلح يرتبط بمصطلحات مثل: الحساسية والإدراك والشعور والمعرفة. بينما الوعى Consciousness يشير إلى القدرة على إدراك الذات بوصفها موضوعاً يتعلق بالماضى والحاضر والمستقبل، بما فى ذلك انعكاس الذات بوصفها كائناً مدركاً لبيئته المحيطة. وهو يرتبط بمصطلحات معينة مثل: الخبرة والذاتية والتفكير الواعى. وبالتالى فإنه ليس من الضرورى أن يرافق الإدراك Awareness وجود الوعى Consciousness. ولذلك فإن الحيوان يمكن أن يكون مدركاً aware ولكنه لا يكون واعياً conscious، بينما الإنسان يكون مدركاً وواعياً aware and conscious فى نفس الوقت. وقد يجادل البعض فى أن الطفل ذو العامين من العمر يكون مدركاً ولكنه ليس واعياً، إلا أننى أرى أنه يكون واعياً ولكنه وعى غير مكتمل not fully conscious وإنما يملك شكلاً محدوداً من الوعى يناسب مرحلة تطوره الإنسانى، وذلك لأنه يكون قادراً على الربط بين الأحداث الماضية والمستقبلية التى تؤثر فى حياته.([6])

ولذلك، " يمكن تقسيم الوعى إلى عملية access وظاهرة phenomenal، عملية الوعى تعمل مع عمل المعلومات فى عقولنا لأغراض لفظية أو منطقية أو للسيطرة السلوكية، فعندما ننظر أو نتأمل أو نتذكر شيئاً فإن كل ذلك يعمل فى إطار عملية الوعى. أما الوعى كظاهرة فإنه يتعامل مع الخبرة ذاتها، بما تشمله من أحاسيس وألوان أو أشكال ملونة ومشاعر."([7])

كما يمكن أيضاً تصنيف جوانب الوعى وما يتصل به من ظواهر فى ثلاث فئات أساسية هى:([8])

1- الوعى المعرفى Cognitive Consciousness: ويُشار إليه أيضاً بوصفه وعياً عمدياً ومتعدياً، فهو يستلزم وجود علاقة عقلية بموضوع أو كائن، ويشمل ظواهر مثل التفكير، وأن يصبح على وعى بوجود شخص آخر، وحضور لمشكلة ما، ومعرفة الحقائق حول مجال معين. في اللغة الإنجليزية، تشير كلمة awareness إلى اختيار أكثر طبيعية من كلمة consciousness عندما نقصد الجانب المعرفى من الوعى. ومع ذلك، فإن مصطلح consciousness نادراً ما يقتصر استخدامه على المعنى المعرفى، على سبيل المثال، المصطلحات السوسيولوجية والسياسية، الوعى الطبقى والوعى بين النوعين والوعى البيئى، فإن الوعى هنا يقف على الاهتمام المعتاد والمعرفة عن قضايا هذا الموضوع. القاسم المشترك لجميع أنواع الوعى المعرفى هو توجهها نحو هدف أو موضوع، قد يكون ملموساً أو مجرداً.

2- الوعى الظاهراتى Phenomenal Consciousness: أو بمصطلح بديل جيد الوعى التجريبى، فإن الوعى الشعورى غالباً ما يعطى شعوراً مشابهاً ولكنه أيضاً يمكن أن يكون له دلالات أخرى. فالنائم الذى لا يحلم لا يملك أى خبرات حالية، وبالتالى فهو ليس واعياً بالمعنى الظاهراتى. وعلى العكس من ذلك، فإن الشخص المستيقظ عادة ما يملك خبرات حسية وإدراكية، ويشعر بالعوطف، ويستمتع بالصور العقلية، وكل ذلك يخص الوعى الظاهراتى.

3- وعى التحكم Control Consciousness: ففى فهمنا السليم لأنفسنا وللآخرين، كما فى العديد من نظريات علم النفس والأمراض النفسية، فإن الوعى يعطى دوراً فى بدء أو السيطرة على السلوك. فنحن نتحدث عن فعل الأشياء بوعى أو بدون وعى مقصود. ويتحدث علماء النفس وعلماء الفسيولوجيا العصبية عن السلوك التلقائى الآلى مقابل السلوك الذى يتحكم فيه الوعى. مثال جيد لهذا التمييز الأخير، يتمثل فى تحكمنا اللاوعى العادى فى وضع الجسم مقابل المحاولات الواعية لعدم السقوط عند فشل التحكم الآلى فى الجسم لسبب داخلى أو خارجى.

ويرى ماركس أن الإنسان يتفوق على الحيوان ويتميز عليه بالوعي. وهذا الوعي يبدأ ‹بمجرد أن يبدأ الإنسان في إنتاج وسائل العيش، تلك الوسائل التي تتحدد بداية بظروف الطبيعة وإمكاناتها. وعليه فعندما ينتج الناس هذه الوسائل يبدءون في إنتاج حياتهم المادية والعقلية.([9])

ويرى سكوت Scott أن " الوعى هو استيعاب أو الانتباه إلى الظواهر المتصورة أو التى يتم تجربتها. ويرتبط وعى الشخص بالعالم من خلال توسط الحواس باعتبارها الوسيلة التى يتم من خلالها بناء التوجهات ودورات العمل. وبالتالى، فإن ممارسة الانتباه والتفكير والحكم تسمح بدرجة من السيطرة الواعية على الغرائز الموروثة من خلال التقييم العملى للوسائل وتأجيل الإشباع. إنها القدرة على الوعى التى تسمح للبشر تدريجياً بالتأقلم مع الواقع الخارجى والتكيف معه باعتباره وسيلة لتحقيق أهدافهم."([10])

ويعرفه جيلت وماكميلان Gillet & McMillan بأنه: "حالة من الاستعداد تتكون من العديد من الأفعال العقلية المشتركة والتى من خلالها نعى هذا الموضوع أو ذاك فى البيئة أو فى نفسه".([11]).

كما يعرفه كوان Cowan بأنه: " طريقة تصور الناس للطرق الطبيعية والعادية للقيام بالأشياء، وأنماط كلامهم وتصرفهم الاعتيادية، وفهمهم البديهي أو المنطقي للعالم."([12])

ووفقاً لماركس، ليس وعى البشر هو الذى يحدد وجودهم، بل على العكس، يتحدد وعيهم بوجودهم الاجتماعى. فالوعى هو نتيجة للتفاعل بين أنفسنا وعالمنا المادى المحيط بنا، ولذلك فهو منتج تاريخى. والإنسانية كما يقول ماركس تتأسس بواسطة العالم المادى، والذى فقط من خلال انخراطنا فيه نستطيع ممارسة قوتنا أو سلطتنا ويتم تأكيد واقعها.([13])

ويعرف ماركس الوعى الاجتماعى بأنه مجموع الأفكار والنظريات والآراء والمشاعر الاجتماعية والعادات والتقاليد التى توجد لدى الناس، والتى تعكس واقعهم الموضوعى. وبما أن الوجود الاجتماعى للناس يتصف بالتعقيد والتنوع، فإن الوعى الاجتماعى يتصف أيضاً بالتعقيد والتنوع. ويدل استعراض التاريخ الاجتماعى أنه مع تغير الوجود الاجتماعى للناس يتغير أيضاً وعيهم الاجتماعى ... كما أكد ماركس أيضاً على أن الوعى الاجتماعى يتصف بخاصية الاستقلالية النسبية فى تطوره. فالوعى الاجتماعى قد يتخلف عن تطور الوجود الاجتماعى أو قد يسبقه وتتضح الاستقلالية النسبية للوعى الاجتماعى فى استمرارية التطور. فالوعى ليس فى علاقة سلبية مع الوجود ولكن الوعى يؤثر تأثيراً إيجابياً على الوجود الاجتماعى.([14])

بينما يعرف أوليدوف الوعى الاجتماعى بأنه: " إعادة إنتاج البشر للواقع الاجتماعى فى شكل أفكار وتصورات ورؤى فى مرحلة معينة من التطور التاريخى. فالوعى الاجتماعى هو إذن الإحاطة بالواقع من قبل طبقة محددة أو فئة اجتماعية أو المجتمع بأسره."([15])

ويرى العريفى أن " الوعى الاجتماعى اتجاه عقلى منعكس، يعين الإنسان على أن يكون واعياً بنفسه وبيئته بدرجات متفاوتة من الوضوح والتعقيد، ويتضمن هذا الاتجاه: وعى الإنسان بوظائفه الجسمية والعقلية. والوعى بأهداف العالم المحيط به. وإدراك الإنسان لنفسه كإنسان فى المجتمع الذى يعيش فيه. وإدراك الإنسان لنفسه كعضو فى جماعة. وإدراك الإنسان للعلاقات التى تربط بين الظواهر الاجتماعية والمواقف التى يمر بها، والقيم والمعايير التى تحدد استجاباته المختلفة فى هذه المواقف."([16])

ويشير عبد الباسط عبد المعطى إلى أن للوعى الاجتماعى ثلاثة مستويات وثلاثة أبعاد، كالتالى:([17])

المستوى الأول: الوعى اليومى المباشر: الذى اهتم به الوظيفيون أكثر من غيره، وهو تعبير عن خبرة الحياة اليومية المباشرة وحاجات البشر اليومية، أى أنه أكثر ارتباطاً بالوجود العيانى المباشر، ولذلك فهو تفصيلى وتجزيئى، ويتسم بالعفوية والتلقائية، ويرتبط بالخصائص النفسية الاجتماعية للبشر، التى تعكس وجوداً اجتماعياً له خصائصه ومكوناته، ونظراً لأن الوجود الاجتماعى المرحلى، والخصائص النفسية المتعينة بناء عليه ليسا منقطعى الصلة بمراحل تاريخية مضت، فإن خصائص أنماط من وجود اجتماعى سابق، وخصائص نفسية اجتماعية مرتبطة بهما، تنعكس هى الأخرى من خلال الخبرات اليومية والمباشرة للجماهير.

المستوى الثانى: الوعى النظرى الأيديولوجى: الذى يعكس وجوداً طبقياً محدداً، ويأتى إدراكاً وتصوراً طبقيين للمجتمع وما يحويه من علاقات، وما توجد بينهما من تناقضات، وأيضاً تصوراً للعلاقة بالطبيعة سواء كانت علاقات سيطرة وخضوع من البشر أو للبشر، وخبرتهم الماضية فى السيطرة عليها، وما اخترعوه من فنون فى الانتاج والعمل والتفاعل والتنظيم ..الخ. ويحاول من منظور تاريخى ومعاصر فهم جوهر الواقع الاجتماعى وظاهراته والقوانين الأساسية التى تحكم سيرورته.

المستوى الثالث: الوعى العلمى: الذى طورته قوى الإنتاج، وتوظفه لخدمة مصالح انتاجية وأيديولوجية، وهو أيضاً نتاج لتراكمات الماضى، والاتصال العلمى مع مجتمعات أخرى، إن استعارة أو تبعية أو تطويعاً.

وأما عن الأبعاد، فهى تشير إلى وجود وعى فردى: يعبر عن فرد محدد له ظروفه النوعية الخاصة، ويعكس وجوداً فردياً عيانياً محدداً. وإلى وعى جماعى أو جماهيرى: يعنى وعى طبقة محددة أو مجتمع محدد، وهو إدراك وتصور طبقيان للمجتمع والطبيعة. وإلى وعى مجتمعى: يعكس الوجود الاجتماعى ككل، لكن بتضاريسه وتبايناته وتناقضاته، ويشير إلى إدراك وتصور القضايا المجتمعية الأساسية. وهذه المستويات والأبعاد لا توجد منعزلة عن بعضها، أو عن تاريخ المجتمع، لأنها دينامية متفاعلة جدلياً.

وكلا المستويين الفردى والاجتماعى يتبادلان التأثير والتأثر من منظور جدلى، ويحتاج فهم الواحد منهما لفهم الآخر، إلا أن التمييز بينهما يكشف عن أمرين: يوضح الأول أن الأبعاد المعرفية المختلفة التاريخية والمعاصرة، بما فى ذلك الأيديولوجيا، تؤثر فى الوعى الاجتماعى بالإضافة إلى تأثره بتفاعل وعى الأفراد. ويوضح الثانى درجة انعكاس الواقع وشكل هذا الانعكاس ومحتواه. فالوعى الفردى انعكاس مباشر وعيانى للوجود الفردى، فى حين أن الوعى الاجتماعى يحوى درجات أكثر تعميماً وتجريداً، ويهم هنا تمييز الوعى الاجتماعى بأنه يعكس الروابط والعلاقات بين الظاهرات والأفراد والجماعات والطبقات. فالوعى الاجتماعى هو الذى يعمم خبرة الوعى المباشر ويكسبها شكلاً ومحتوى اجتماعيين، يعمقهما وينشرهما بين أعضاء الجماعة والطبقة وبين الجماهير، وبالتالى تندمج الإدراكات الفردية وتتكامل فى تصورات جماعية، مما يكسبها طابعاً موضوعياً، ميزانه مصالح الجماعة وتصوراتها.

ويؤكد تشارلز كولى Cooley أن " الوعى الاجتماعى Social consciousness أو الوعى بالمجتمع awareness of society لا يمكن فصله عن الوعى الذاتى self-consciousness، لأننا بالكاد نستطيع التفكير فى أنفسنا إلا بالإحالة إلى جماعة اجتماعية من نوع ما، ولا إلى الجماعة بدون الإشارة إلى أنفسنا. فالأمران يسيران معاً جنباً إلى جنب، وما نحن على وعى به حقاً ليس أكثر أو أقل من الكل الشخصى أو الاجتماعى المعقد، الذى يتم تأكيده الآن على وجه الخصوص أو بصفة عامة. وبصفة عامة، فإن معظم وعينا الانعكاسى لحالات عقلنا الواعى، تصبح بالتالى وعياً اجتماعياً، لأن إحساسنا بعلاقتنا بالآخرين، أو بعلاقات الآخرين ببعضهم، يمكن بالكاد أن تفشل فى أن تكون جزءاً منها. فالذات والمجتمع توأمان، ونحن نعرف أحدهما فى نفس اللحظة التى نعرف فيها الآخر."([18])

كما يرى شليتز Schlitz وآخرون أن " النظرة إلى العالم هى أحد جوانب الوعى ... وهى تشمل المعتقدات والافتراضات والمواقف والقيم والأفكار التى تشكل نموذجاً شاملاً للواقع، وهى تشمل أيضاً صياغات وتفسيرات الماضى والحاضر والمستقبل". وبالتالى فإن نظرة الناس إلى العالم تؤثر فى كل جانب من جوانب كيفية فهم العالم من حولهم والتفاعل معه، وهى تؤثر تأثيراً عميقاً على الأهداف والرغبات الفردية والمشتركة، وتشكيل التصورات والدوافع والقيم الواعية وغير الواعية على حد سواء. كما تشكل السلوك البشرى فى العلاقات والتفاعلات الفردية والاجتماعية، فى كل لحظة من اليوم. وهم يعرفون الوعى الاجتماعى بأنه: " الإدراك الواعى لكوننا جزءاً من مجتمع مترابط من الآخرين ". وبهذه الطريقة، فالوعى الاجتماعى يشير إلى مستوى واضح من الوعى لدى الفرد بكونه جزءاً من كل أكبر. وهو يشمل المستوى الذى يعى فيه الفرد كيف يتأثر بالآخرين، وكذلك كيف يمكن أن تؤثر أفعاله فى الآخرين. ويشمل أيضاً فهم أن هناك العديد من العوامل تشكل الخبرة التى تكمن تحت عتبة الوعى. وهم يفرقون بين عدة مستويات للوعى الاجتماعى؛ ففى المستوى الأكثر ضيقاً من الوعى الاجتماعى، نجد نقصاً واضحاً فى وعى الأفراد بارتباطهم بالآخرين، وإلى أى مدى يؤثرون أو يتأثرون بالآخرين. أما فى المستوى الأكثر اتساعاً من الوعى، يصبح الناس أكثر وعياً بترابطهم مع الآخرين، وقدرتهم على التأثير والتأثر بهم. وعندما تتحول النظرة إلى العالم من الوضع الأولى للتمركز حول الذات إلى وضع آخر تدرك فيه الذات باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من كل أكبر، يصبح الناس أكثر تعاطفاً، وتقبلاً للعمل كوكلاء للتغيير الايجابى فى مجتمعاتهم المباشرة وما وراءها.([19[)

وينظرون إلى تنمية الوعى الاجتماعى باعتبارها: "عملية تنطوى على زيادة الوعى بالسياق التاريخى والاجتماعى، والقدرة على التفكير المجرد عن الزمان والمكان، وما وراء ظروف الحياة اليومية المباشرة، لفهم التجربة الفردية بوصفها جزءاً لا يتجزأ من منظومة أوسع للعلاقات الاجتماعية". وترتبط تنمية الوعى الاجتماعى بسلسلة من التحولات فى النظرة إلى العالم، كما أن تعزيز الوعى الاجتماعى يحفز تحولات أخرى فى النظرة إلى العالم. ويمكن تحديد خمسة مستويات من الوعى الاجتماعى، تشمل:([20[)

(1) التضمين، حيث يتشكل الوعى بدون وعى حقيقى بالعوامل الاجتماعية والثقافية والبيولوجية، والذى يعتبر نوعاً من الوعى قبل الاجتماعى.

(2) انعكاسية الذات، حيث يكتسب الناس الوعى بكيفية تشكل خبراتهم بواسطة العالم الاجتماعى عبر التفكير والممارسات التأملية.
(3) الارتباط، حيث لا يكون الناس مدركون للبيئة الاجتماعية فقط، ولكنهم يبدءون فى تعبئة النية للمساهمة فى الخير الأكبر من خلال بعض الطرق الموجهة نحو الخارج.
(4) التعاونية، حيث يرى الناس أنفسهم على أنهم جزء من الجماعة والبدء فى العمل مع الآخرين للمشاركة فى إنشاء أو تشكيل البيئة الاجتماعية من خلال الأعمال التعاونية، مثل الاستقصاءات الجمعية، والتواصل الاجتماعى والتعلم.
(5) التجاوب، حيث يظهر الناس شعوراً بالترابط الضرورى مع الآخرين فى مجال الخبرات المشتركة وبروز هذا الشعور فى الفئات الاجتماعية، والذى يحفز على التحول الاجتماعى.

ومن هنا يمكننا تعريف الوعى الاجتماعى بأنه: (الصورة الذهنية للفرد عن واقعه الاجتماعى، والمتمثلة فى مجموعة الأفكار والمشاعر والسلوكيات التى تعبر عن إدراكه لهذا الواقع، والتى غالباً ما تكون مستمدة من هذا الواقع، ثم تعود لتؤثر فى فهم الفرد لهذا الواقع، وتُشكل استجابته تجاهه).

وبالتالى، " يتحدد الوعى إجرائياً بدراسة معارف الأفراد واتجاهاتهم وقيمهم وممارساتهم وسلوكهم فى المواقف المختلفة ذات الصلة بحاضرهم ومستقبلهم، فى التعليم والعمل والزواج والمشاركة السياسية ..الخ. أى دراسة ذلك النمط من إدراك الواقع الاجتماعى بجوانبه المختلفة، أو التصور الفكرى والصورة الذهنية التى يحملها المبحوث لهذه الجوانب من الواقع كما تبدو فى استجابته عبر المواقف المتخيلة التى تطرح على المبحوثين من خلال أداة البحث."([21[)

 

الهوامش:

([1])Banks, William P., ed., Encyclopedia of Consciousness, Academic Press, Elsevier Inc., Oxford, UK, 2009. P.157
([2]) مصطفى حجازى، الإنسان المهدور، دراسة تحليلية نفسية اجتماعية، المركز الثقافى العربى، الدار البيضاء، 2005. ص226
([3]) محمد سعود العريفى، العلاقة بين الوعى الاجتماعى والحد من انتشار العقاقير المخدرة، رسالة ماجستير، المركز العربى للدراسات الأمنية والتدريب، جامعة الملك سعود، الرياض، 1416هـ. ص22
([4])Darity, William A. (ed.), International Encyclopedia of the Social Sciences, 2nd ed., Vol. 2, Macmillan Reference, USA, 2008. P. 78
([5])Vaneechoutte, Mario, Experience, Awareness and Consciousness, Suggestions for Definitions as Offered by an Evolutionary Approach, Foundations of Science, Vol. 5, Kluwer Academic Publishers, Netherlands, 2000. P. 437
([6]) Arp, Robert, Consciousness and Awareness, Journal of Consciousness Studies, 14, No. 3, 2007, Pp. 102-103
([7])Tsvetkov, Artem, Consciousness: Response to the Hard Problem, Indiana Undergraduate Journal of Cognitive Science, Vol. 3, 2008. P.22
([8]) Darity, William A. (ed.), International Encyclopedia of the Social Sciences, Op.Cit., Pp.78-79
([9]) عبد الباسط عبد المعطى، اتجاهات نظرية فى علم الاجتماع، سلسلة عالم المعرفة، العدد 44، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أغسطس 1981. ص102

([10])Scott, John, Conceptualising the Social World, Principles of Sociological Analysis, Cambridge University Press, New York, 2011. P.219
([11])Gillet, Grant R., and McMillan, John, Consciousness and intentionality, John Benjamins Publishing Co., Amsterdam, Netherlands, 2001. P.247
([12])Cowan, Dave, Legal Consciousness: Some Observations, The Modern Law Review, Vol. 67, No. 6, Blackwell Publishing, USA, 2004. Pp.931
([13])Eagleton, Terry, Why Marx was right, Yale University Press, London, 2011. P.135
([14]) سمير نعيم أحمد، النظرية فى علم الاجتماع، ط 10، د.ن، القاهرة، 2006. ص189-190
([15]) أوليدوف، الوعى الاجتماعى، ترجمة ميشيل كيلو، دار ابن خلدون، بيروت، 1982. ص31
([16]) محمد سعود العريفى، العلاقة بين الوعى الاجتماعى والحد من انتشار العقاقير المخدرة، مرجع سابق. ص26
([17]) عبد الباسط عبد المعطى، الوعى التنموى العربى، ممارسة بحثية، دار الموقف العربى للصحافة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1983. ص25، 26، 56
([18])Cooley, Charles Horton, Social Consciousness, The American Journal of Sociology, Vol. 12, No. 5, Mar. 1907. P.98
([19])Schlitz, Marilyn Mandala, (et al.), Worldview Transformation and the Development of Social Consciousness, Journal of Consciousness Studies, 17, No. 7–8, 2010. P.18-21
([20]) Ibid., P.22-23
([21]) عبير أمين، تزييف وعى الشباب بين العولمة والدعاة الجدد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2006. ص33

التعليقات  

 
0 # رائعأ.د مدثر سليم 18/07/ 2016-02-28 14:52
أشكرك واتمني لك التوفيق الدائم ... موضوع بحثي جيد حبذا لو ربطته بقضية من قضايا امتنا
رد | تقرير إلى المدير
 

أضف تعليقا

يرجى ان يكون التعليق ذا علاقة بالموضوع دون الخروج عن إطار اللياقة، سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض لشخص الكاتب.
نتمنى ان تعمل التعليقات على إثراء الموضوع بالإضافة أو بالنقد ....

كود امني
تحديث