الثلاثاء 24 تشرين1

أنت هنا: الصفحة الرئيسية اجتماع ونفس علم النفس

خَطـوات الطـِّبّ النفسي الأولـى بالمغرب - جليل بنانـي – ت: محمد أسليم

أنفاس يعتبر تطور رعاية المرضى العقليين عموما، والمجانين بالخصوص، واحدا من المظاهر الأكثر تميزا للتاريخ المغربي. لاشيء ربما يمنح فكرة أكثر دقة وإثارة للدهشة عن عظمة الإمبراطورية وانحطاطها أكثر من هذا الجانب.
في سنة 1910، أي سنتين قبل إقامة ج. لوكسيوني نظام الحماية في المغرب، كَلَّفَ وزيرا فرنسا في الداخلية والتعليم العمومي (كان رينيو Régnault آنذاك وزيرا لفرنسا في المغرب) طبيبين عقليين شهيرين، هما لووف وسيريو، فلاحظا أن خدمة المرضى العقليين وعلاجهم - بالمعنى الطبعقلي - كانا “منعدمين في المغرب”، وأوضحا أنهما لا يتهمان الإسلام في ذلك، وإنما “حالة الانحطاط العميق” التي كانت توجد فيها البلاد. كان تعليم الطب العقلي منعدما، ومن ثم كان يتم اللجوء إلى وسائل سحرية ودينية لعلاج المرضى أو التخفيف عنهم.
قام لووف وسيريو ببحث (مارس-يونيو 1910) في مارستانات أهم المدن المغربية وسجونها (طنجة، أصيلة، العرائش، القصر [ الكبير]، فاس، الرباط، سلا، البيضاء)، فميزا في البداية بين ثلاث فئات من الحمقى: “المهادنون”، وهم الذين يعيشون أحرارا في الهواء الطَّلق، ثم “المزعجون”، وهم المحروسون في المنازل، وأخيرا الذين يُعتبرون “خطيرين” صراحةً، وهُم المسجونون في المارستانات أو السُّجون.
يشكل أصحاب الفئة الأولى، أي الأحرارُ، العدد الأكبر، وهم يعيشون على التسوّل. وقليلون منهم فقط يحصلون على الوضع الاعتباري لـ “الأولياء”، ويبجَّلون لأفكارهم الصوفية (أو أفعالهم، الأمر الذي لا يحدده المؤلفان). ويذكر المؤلفان بأن هذه الظاهرة، مع أنها لا تخص المغرب، كانت وراء نشأة الخرافة الشائعة في أوروبا، والتي ترى أن المسلمين يعتبرون دائما الأحمق منهم وليا. أما أصحاب الفئة الثانية، فيمكن أن يشكل الإبقاء عليهم في المنازل حبسا حقيقيا: فبسبب إزعاجهم أو خطورتهم، يمكن أن يتعرضوا للاغتيال من قبل محيطهم. وأخيرا، يتعايش أصحاب الفئة الثالثة مع “مساكين” “محمومين” و”مُعدين”. ويقدر عددهم الإجمالي في مجموع مارستانات البلاد بحوالي المائة.
كان لووف وسيريو أول أوروبيين يزوران المارستانات. رافقهما في زيارتهما تلك الدكتور وسجربرغ Weissgerber، وهو “كشافة مشهور جدا”، وكذا “بعض موظفي المخزن”. وقد رأيا في المارستانات “نوعا من مستودعات التسول الملحقة بالمساجد”. وما تأثر له الزائران أكثر هو طوق الحديد الذي كان يحمله المرضى ليل نهار، ويتألف من رباطين نصف دائريين يجمعهما مَفصِلٌ غليظٌ، وتربطه سلسلة طويلة بالجدار، علما بأن الطوق نفسه كان يوجد في السُّجون. أما المرضى الهائجون والمجرمون فكانوا يحملون على مستوى العرقوبين قيدين هما عبارة عن لوحة حديدية ثقيلة. وبذلك كان المرضى العقليون يعيشون جنبا إلى جنب مع سجناء القانون العام ويلقون المصير نفسه فيما يتعلق بالوقاية الصحية، والفاقة والمرض. أما من لم تطالب بهم عائلاتهم أو بعض أصدقائهم، فكانوا يمكثون هناك مدى الحياة. ومن ثمة، اضطر لووف وسيريو إلى الإدلاء باقتراحات لتحسين مصير المجانين.

اِقرأ المزيد...

نظرة عامة إلى علم النزاع وسيكولوجية النزاع ـــ د.غالينا لوبيموفا ـ ت.د.نزار عيون السود

أنفاس 1 - 1-  نظرة واقعية إلى التناقض والنزاع.
كل منا, يعرف من خلال تجربته وخبرته الشخصية، ما هو النزاع. شخص يريد شيئاً, وشخص آخر يريد شيئاً آخر, فالأشخاص يتناقشون, ويختلفون, أو على العكس, يتوقفون عن الحديث فيما بينهم, ويحاولون تجنب أحدهم الآخر, فيتعكر مزاجهم, وينهار كل شيء من بين أيديهم. إن النزاعات تعد جزءاً لا يتجزأ من أي مجال حياتي ـ شخصياً كان أم اجتماعياً عاماً. ويختلف ويتنازع الأصدقاء والمعارف والزملاء, والأحزاب السياسية والشعوب والدول. وقد ثبت أن ما يتراوح بين 25 ـ 30 من وقت المدراء والرؤساء من مختلف المستويات, يصرف على تليين وتسوية العلاقة بين العاملين (انظر بورودكين, كورياك, 1989, ليوتنس, 1990). حتى الفرد الواحد نفسه, عندما يفكر في اتخاذ قرار هام, ويصطدم بتناقضات داخلية، بينه وبين نفسه, يخوض مع ذاته نقاشات فكرية طويلة.‏
إن عدم تطابق مصالح طرفين يفترض أن كلا منهما سيسعى للحصول على ما يريد, وهو مستعد لبذل مجهود خاص من أجل تحقيق ما يرغب. وجزء هام من هذه الطاقة والجهد يصرف على إعاقة الطرف الآخر, أي وبعبارة أخرى، السعي إلى قمعه معنوياً ومادياً و"التغلب" عليه.‏
في القرن العشرين, ونتيجة حربين عالميتين و200 حرب إقليمية كبيرة ونزاع محلي وأعمال إرهابية ونزاع مسلح على السلطة، وجرائم قتل وانتحار, قتل أكثر من 300 مليون نسمة.‏
إن مصطلح نزاع هو ترجمة لكلمة "Conflit" الفرنسية و"Conflict" الإنكليزية وهما من أصل الكلمة اللاتينية "conflictus" التي تعني: صراع, نزاع, صدام, تضارب, شقاق, قتال. وتستخدم في الأدبيات السياسية والعلمية والاجتماعية والنفسية بمعان ومضامين عديدة (تضارب المصالح, صراع الحضارات, صراع الثقافات, نزاع مسلح, خلاف عائلي, نزاع حدودي, نزاع بين العاملين في مكان العمل, وما شابه ذلك).‏
وكما ورد أعلاه, وبالرغم من أن استخدام القوة والخداع من أجل الوصول إلى الهدف, يعد, بمقاييس الحياة الدارجة، أمراً مقبولاً, ولكن, حسب المستوى المعياري في النظرة إلى النزاعات, ينظر إليه نظرة استهجان واستنكار. ويعد التسبب في النزاع وإثارته أمراً سيئاً. إن سمعة العامل أو المدير, الذي يعتبره زملاؤه "إنساناً مثيراً للنزاع", تعد مثيرة للشكوك. وفي المواقف العملية يفضل الناس الحديث عن "الاختلاف في الآراء". وهذا يجري, على نحو خاص, لأنه لا يمكن تحقيق فوز كامل في أي نزاع. ف"الخاسر" قد يشعر بتفوقه المعنوي أمام "الفائز" الذي استخدم أساليب محظورة؛ كما أن "الفائز" في نزاع جدي, كالحرب مثلاً, يتحمل خسائر بشرية ويتكبد خسائر مادية. أما إذا تم الاعتماد على توافق الآراء, وصياغة موقف مقبول من الطرفين المتنازعين, فهذا يعني إشراك العقل, إلى جانب ردود الفعل العاطفية في الموقف النزاعي (علم النزاع 1999).‏ 

اِقرأ المزيد...

مدرسة فرانكفورت والتحليل النفسي... فروم بين ماركس وفرويد - ابراهيم الحيدري

انفاسينتمي اريك فروم 1900-1980 الى أسرة يهودية متدينة، وقد تأثر مبكراً بفكرة المخلص الإلهي، غير انه تحرر منها بعد ان قرأ ماركس وسبينوزا وجون ديوي، مثلما تأثر بآراء هوركهايمر وأدورنو وماركوزه بعد ان اصبح عضواً في مدرسة فرانكفورت النقدية عام 1929. غير ان مسافة كبيرة كانت تفصل بينه وبين أعضاء مدرسة فرانكفورت، حيث كان معظمهم من المدرسة الفرويدية آنذاك. ومن اجل تقريب المسافة التي تفصله عنهم، بدأ بدراسة الطبيعة البشرية والاغتراب الاجتماعي وأخذ يبلور اتجاهاً خاصاً في التحليل النفسي ويضع مقدمات نظرية في"نسق الاخلاق"في اطارها الانساني، موجهاً انتقاداته الى الفرويديين الذين ما زالوا يستخدمون طرقاً بيروقراطية قديمة في التحليل النفسي والسايكولوجيا الطبيعية، محاولاً دمج التحليل النفسي بالنظرية الماركسية مع اختلافه معها، مثلما انتقد تصورات علماء النفس حول"روح الجماهير"ورأى ضرورة عدم فصل الانسان عن اوضاعه الاجتماعية. ولذلك وجد ان من الضروري دراسة الماركسية وفهمها وتحديد أسسها ومن ثم تطويرها انطلاقاً من مفهومي الطبيعة الإنسانية والحرية.

اِقرأ المزيد...