الذاكرة سيرورة أحداث - نور الدين بوسعيد

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

anfasse.orgمن منا لا يحمل أحداثا وأفعالا وقعت له أو أوقعها بأحد؟ من منا ليست له ذاكرة؟ من منا لا يحلم ولا يدون أشعار فلسفة الحياة؟ من منا يجهل العالم والواقع المحيط به؟ كلنا لنا ذاكرات وذكريات. كلنا لنا أحداث راسخة في الذهن، وأخرى أصابها الزوال داخل ذاكرتنا. فهل نعرف قيمة هذه الأحداث؟ وهل لها وقع داخل سلوكنا اليومي الملقى على رصيف الحياة اليومية؟ وهل يمكن لأحد منا أن ينسى أو يسكت عن شيء وقع له، جميلا كان أو قبيحا؟
لا والله، إن النظرة العامة للواقع، والتحليل النفسي للشخص، واستقراء الأسلوب البشري، واسترجاع بقايا الماضي لرسم أمجاد الحاضر، يحتم على الإنسان الالتزام بالعودة إلى الذاكرة، لاستجلاء الوقائع والأحداث، وتحليلها بالشكل الذي يضمن لها الوجود داخل الكيان النفسي البشري، وإبرازها على أرض الواقع لتحقيق ولادتها من جديد، ومحاولة تحليلها للوقوف على خبايا وأعماق هذه الوقائع، ومدى تأثيرها على شخصية الفرد، ومحاولة إعطاء مكانة لها داخل هذا العالم.
الأشخاص كيانات بسيطة مكونة من ألياف وأعضاء متجانسة يكمل بعضها بعضا، وكل يؤثر على الآخر. والالتزام بالعيش داخل وسط اجتماعي يولد الوقوع في احتكاكات واصطدامات مع الآخر، وبالتالي توليد التأثير لمختلف أعضاء الجسم، و تولد أيضا وقوع أحداث يكون لها وقع على شخصيتين وعلى ذاكرتنا، سواء كانت هذه الأحداث ايجابية أو سلبية. فالمكمن الأول والأخير في لأي حادثة هو الذاكرة. إنها – أي الذاكرة- الوعاء الفارغ الذي يقبل أن تملأه في أي وقت وحين، وهو المجال الذي يسمح لمختلف الوقائع والأحداث أن تترسب فيه.
فالإنسان أنيس نفسه، ووسيط عصره، ومدرك حاله، وشفيع قلبه، وحبيس سره. ومهما يكن، لابد أن يعرف تحولا واضطرابا، وهذا يكون له مجال داخل ذاكرته التي تحمل دائما كتابات لكتاب دائمي الكتابة والقراءة، معتادين على تدوين كل صغيرة وكبيرة، و لنقاد يحتفظون بما يجب أن يحتفظ به ويطرحون ما هو طالح و لا يجدي نفعا. فإن كانت ذاكرته متذبذبة وغير مستقرة، فإنه يكون معرضا في أي وقت وحين لأن يختل توازنه. فالأحداث التي تقع يكون لها دائما وقع ايجابي أو سلبي، مما يسبب بالتالي الإخلال بالتوازن الفكري والعاطفي للشخص.

إنه كما يحلو للإنسان أن يذكر أشياء جميلة تدخل السعادة والألفة على قلبه، وتجعله يعيش في حلم قريب التحقق ينسيه بعض الهموم والغموم التي تعكر صفوة فؤاده، وتكدر مزاجه، وتبعث الحزن والألم في قلبه، وتسيطر على مشاعره وأحاسيسه بالشكل الذي يولد الاضطراب في نفسيته، ويبعث الشؤم في آماله وأمانيه، ويقلل من تنبؤاته المستقبلية، فإنه لابد أن يدرك أن الحياة كلها عراقيل وصعوبات تستلزم التفكير في الأشياء القبيحة التي أظلمت حياته وأوقعته في دوامة الشؤم والحزن، وأحاطت به بسياج الظلم والكآبة، وأغلقت عليه أبواب الفرج، ويلزمه أن يتذكر الإخفاقات والاختلالات التي عرفتها مسيرته، وذلك حتى يتمكن من قراءة الواقع والحياة، واكتساب تجربة كبيرة تمكنه من مسايرة العالم الخارجي عن كيانه، وإجبار الذات الفاعلة على الالتزام بقيود القانون البشري، والاسترخاء تحت ظل أشجار المحبة والهناء.
فالماضي يبقى دائما المجال الذي يجب العودة إليه للانطلاق نحو بناء المستقبل. الماضي هو الأساس الذي يقوم عليه بناء الحياة العاطفية والاجتماعية. الماضي هو المفتاح الكبير الذي يفتح جميع الأبواب الموصدة، وبدون العودة إليه، والاستفادة من تجاربه، يظل حلم التقدم حبيس بيت زجاجي يرى المستقبل، ويعجز عن الوصول إليه. فالماضي بأحزانه ومسراته هو السلم الذي نصعد به للاطلاع على أمجاد الحاضر، والانفتاح على المستقبل. كما أن أية قراءة لا يمكن أن تتم إلا بقراءة العنوان والمقدمة والعرض والخاتمة، فإنه كذلك ومثال نقول عن الماضي، فهو العنوان والمقدمة والعرض الذي لابد من المرور منه، وهذه هي المراحل التي يجب تخطيها وتحليلها بالشكل الذي يضمن بلوغ الخاتمة (الحاضر والمستقبل). ومهما يكن الأمر، لابد من العودة إلى الماضي، لأنه عنوان التقدم والتطور. فكلما عدنا إلى ماضينا، وحللنا تفاصيله، تجاوزنا الحاضر بكل سهولة، وسعينا نحو مستقبله كله أمل وراحة في جميع المستويات، سواء على المستوى الفكري، أو المستوى الأخلاقي، أو على المستوى الاجتماعي.
وهكذا، قد يطرح سؤال : ما هو المغزى والهدف من العودة إلى الوراء؟ أجيب وأقول: إن الإنسان ليس كغيره من الكائنات الأخرى التي لا ترجع إلى الوراء للانطلاق أو للانقضاض على فريستها(القطط أو الكلاب كمثال)، حيث تنطلق مباشرة ودون تردد، في حين أن الإنسان، كلما أراد أن يندفع بقوة، عاد إلى الخلف خطوات، ثم تقدم خطوات أكبر من الأولى. فلاعب الكرة مثلا يضع الكرة في نقطة الاستقرار، ثم يعود خطوات نحو الوراء، وذلك بهدف إرسال الكرة بعيدا بغية تحقيق الهدف. وهكذا على الإنسان أن يعود إلى الوراء لتحقيق القفزة النوعية في شخصيته، وفي الأحداث الموضوعية التي تعترض سبيله، من أجل تحقيق التوازن الفكري والأخلاقي، وخلق مستوى حياتي متقدم خاضع لشروط ومبادئ منطقية، يكون أساسها التنقيب في خبايا الماضي، في سبيل الخروج بها نحو حظيرة الحاضر، واستدراجها لتكون عنوان التقدم نحو المستقبل، ونحو الرقي بالذات الإنسانية نحو ما هو شامل ومتميز يعين على تجاوز الخلافات النفيسة الذاتية، والحوارات الداخلية التي غالبا ما تعرقل السير لكل فكرة تريد أن تدخل حيز التنفيذ، وتضع بصماتها على الواقع.
فالشخص دائما يلزمه استحضار الماضي، لأنه كائن في ذاكرته، ومرافق له. فالإنسان يجب أن يعتبر نفسه دائما هو الحاضر، ويعود إلى من هو أكبر منه، وأقرب منه كي يبني حياته أو يطورها. فأنا مثلا كشاب داخل مجتمع كبير يضم عدة مؤسسات (الأسرة، المدرسة...) يلزمني العودة إلى الأب، لأنه أكبر مني، ولأنه بالنسبة لي هو الماضي، وبالتالي فإني أقرأ شخصيته، وأطلع على مختلف الأحداث التي حلت بهذا الماضي البعيد القريب من أجل أخذ العبرة، والإستفادة من أعماله الإيجابية والسلبية، حتى أستطيع قيادة المركبة النفسية، والحلول بها في الضفة الأخرى (المستقبل) بأقل الخسائر.
إننا وقد حان الوقت لكي نجمل ما قلناه، بصدد الأحداث والأفعال الكامنة والراسخة على المحيى الفكري للشخص، نقول بأننا قد رأينا سبل تطوير الفكر والطرق الكامنة وراء تحقيق هدف الحياة المتمثل في الإستقرار المستقبلي بدءا بالماضي، لأنه هو الأساس ومرورا بالحاضر باعتباره القنطرة التي تقود إلى  تحقيق الهدف. تبقى الذاكرة إذن هي مركز إبراز التجربة، والإحتكاك مع الآخر وبالواقع، بهدف التقدم والتطور في جميع المستويات الفكرية والإقتصادية والإجتماعية...إلخ.

 

نور الدين بوسعيد
تنغير/ المغرب

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟